“قليل للصديق الوقوف على قبره”

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

أكتوبر 4, 2025

/

يزيد السعيد

أما إني قد اعتدت أن أبارك لك العيد، فأين أنا وأين أنت اليوم؟ 
أبا فهد لو رأيت يوم الفراق، بل لو رأيت كيف علمت به، كيف أنكرت نفسي وأنا أقرأ حروفاً أعيد النظر فيها علّ الله أن يجعلني مخطئاً في قراءة اسمك على خبر الوفاة!
أما اليوم،، وقد حيل بيني وبينك فلا تهنئة ولا مباركة، فلك مني هذه السطور، وكثيراً ما كنتَ تحب الكتابة.

عهدتُه شيخاً متكئاً على عصاه، يبادر للصف الأول من جهة يسار المحراب، فلستَ تراه إلا جالساً على كرسيّه بعد الفريضة مستغفراً مسبحاً لله، ثم يلتفت ناحية اليمين يرمق الإمام ببصره الضعيف، ويتحامل على نفسه ليرفع معه أعباء العُمُر فيكبّر لسنته الراتبة، ويزيد معها بعد العشاء صلاة الوتر فإن الشيخ قد أتعبه مرُّ السنين، فما عاد أمر الوضوء في جوف الليل بالسهل عليه، وإن كان يتحامل على نفسه لذلك أحياناً.
كان هذا المشهد يشدّني إليه، أحب الصالحين ولست منهم، وكلما نظر إليّ وأنا في المحراب أراود نفسي بالقيام إليه مُسلماً متعرّفاً ثم يأخذني الحياء منه، والتوقير لشيبته فأترك الموضوع للغد، وهكذا سارت الأيام إلى أن أتممت قرابة شهرٍ أو شهرين في مسجدي لم يبقَ أحد لم أتعرّف عليه إلا هذا الشيخ الصالح، لكن كيف السبيل إلى هذه المعرفة بلا مقدمات؟ إلا أن المؤذّن اللماح كأنه شعر بمراقبتي للشيخ أبي فهد فسلّم عليّ بعد صلاة المغرب، وقال: تعال أعرفك على هذا الشيخ.
وانطلق بي إلى منزل في جنوب المسجد، لا يبعد عنه سوى مئة متر أو تزيد قليلاً، فإذا بالباب مشرعٌ، وإنارة المنزل مضاءةٌ، وعلى الباب لوحة مكتوب عليها “منزل سليمان بن سالم الحناكي” لله ما أزكى هذا الاسم وصاحبه.
ما إن تدخل لفناء البيت إلا وعلى يمينك حديقة صغيرة فيها شجيرات للورد وزينة للمكان، فإذا دخلت البيت رأيت على يسارك باب المجلس الطويل تتوسطه طاولةٌ كبيرة عليها أدوات الضيافة والقهوة والشاي، والشيخ أبو فهدٍ على يسار الداخل للمجلس يبادر الداخل عليه بالنظر إليه ومدّ يده الناعمة للسلام عليه، ثم يقول: 
 اجلس بهذا، من الأخ؟ 
عرفه بي مؤذني الكريم، وقال: هذا إمامنا الجديد يزيد بن سليمان السعيد، وجئنا لنسلم عليك.
أما أنا في تلك اللحظات فقد أخذتني الدهشة، هذا الشيخ الصالح الذي أراقبه منذ مدّة قد زرته في بيته، والآن بدأ الوصال به، لكن ما قصّة هذا المجلس وجلوس الشيخ فيه وكأنه ينتظرنا ولم نخبره بمجيئنا؟ أتُرى المؤن قد أخبره بزيارتي فاستعد لها؟ 
ثم عاد المؤذن اللماح وكأنه قرأ أفكاري، وما دار في خاطري وقال:
هذا أبو فهد جارنا الشيخ سليمان بن سالم الحناكي من الرس، رئيس بلدية الخرج سابقاً، ومن جيراننا في الحي منذ زمن، وهو فاتحٌ بيته للأضياف كل مغرب يومٍ منذ سبعة وأربعين سنة، والله يحييك كلما أردت فالباب مفتوح، ويفرح بمن يأتيه.
سبعةٌ وأربعون عاماً من الضيافة اليومية للزوار! هذا والله من أعجز غيره عن مثل صنيعة، لله هذا الرجل كيف هو.
رحّب بي أبو فهد، ثم قال كلاماً لا زلت أذكر منه قوله: 
عن ابن عباس قال: “من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله وعادى في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان – وإن كثرت صلاته وصومه – حتى يكون كذلك” ثم يقطع الحديث ويقول منبّها: وقال ابن عباس: “وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا” هذا في زمنه، فكيف بوقتنا هذا. ونحن نحبك في الله.
ولا يسعني إلا أن أرد هذه المحبة بإعلان مثلها له، وأقول في نفسي: أترى هذا الشيخ بهذا الصلاح فهو يدخل القلب من أول لقاء، وأحسبه ممن صدق فيه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال” أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا، الموطؤون أكنافاً، الذي يألفون ويؤلفون، ولا يخير فيمن لا يألف ولا يؤلف”.
نشبت بيني وبين الشيخ علاقة خاصّة، فصرت أذهب إليه كل يومٍ تقريباً – طيلة بقائي إماماً في ذلك المسجد-، وعرفت خلال هذه الزيارات أبناء الشيخ الكرام، والكثير من أبناء عمومته الأوفياء، فمنهم من يأتيه من الخرج، ومنهم من الرس، والقصيم، وجدّة وغيرها.
سألته عن نفسه وعن والديه فقال: أبي هو الشيخ سالم بن ناصر الحناكي من بني ثور من السبعان، وهو قاضي الرس والحناكية ودخنة، وحريملاء ثم انتقل إلى قاضياً على محافظة الخرج إلى أن توفي.
ثم ينطلق الشيخ في تقليب الذكريات، وسوانح الأيام ليحكي لي عن ذكرياته مع والده، فقال:
مرضتُ يوماً وأنا في الخامسة أو السادسة من عمري بالرَّمَد، حتى زاد عليَّ المرضُ فاستيقظت من النوم ليلاً وقد فقدت البصر تماماً، ولا أسمع إلا والدي الشيخ سالم قائمٌ يصلي في طرف الغرفة فانطلقت إليه، أناديه متجهاً نحو صوته وهو يصلي، فلم يفجأني إلا عامود البيت قد ضربته من العمى فشجَّ رأسي، وسال الدم على وجهي، فاحتضنني والدي وأنا أشعر بدموعه على خدّه قد سالت حناناً عليّ ورأفة بي. وانطلق بي بُعيد الفجر من حريملاء إلى الرياض لطلب العلاج، وقد وضعني في خِرج الناقة.
ثم بكى الشيخ تذكاراً لصنيع والده، ومسح دمعه بطرف شماغه.
كان وفي الجانب، مكرماً لأبيه وأمه ومن حوله، تعرّض للبلاء والمرض منذ صغره، إلا أن الله متّع به حتى بلغ نيفاً وتسعين سنة، ما تذكرها إلا حمد وأثنى على الله فيها.
يقول: أصبت بالسل وأنا في أول العشرين، واشتد عليّ الأمر حتى بعث والدي برقية للملك سعود يطلب فيها العلاج لي، فما كان منه إلا أن أرسل إلينا بطائرة إخلاء طبي نقلتني من الخرج إلى الظهران، ثم عشتُ سنة ونصف في لبنان للعلاج، وكأني ياأبا عبدالملك أنظر لوالديّ وهما يودعاني ويبكيان عليّ لرقّة حالي وما أصابني من مرضي، وقد مضى على وفاة أبي ستون عاماً، وتوفيت أمي منذ خمسة وثلاثين عاماً، وبقيت بعدهما بصحة وعافية.
كثيراً ما حدثني عن ذكرياته في لبنان، ورحلة العلاج من مرض السل، فاتفق لي أن قرأت ما كتب الأديب إبراهيم بن محمد الحسون في “خواطر وذكريات” عن رحلته المماثلة إلى لبنان للعلاج أيضاً، وحدثت بذلك أبا فعد فأنسَ بتلك المذكرات، واسترجع ذكرياته مع الحسون، والممرضة روز اللبنانية التي أسلمت فيما بعد وانتقلت للعيش في الباحة.
عاش أبو فهد حياة طيبة مباركة طويلة، تقلب خلالها في معارج الزمن، ورحلة الأيام، عرف كثيرين، وفقد أكثرهم، ومازال الوفاء لهم جارياً على لسانه بكل حال.
سألته ذات يوم بعد تذكار طويل لأيامٍ جميلة فقلت: أبا فهد كيف تصف هذا العمر الآن وأنت في التسعين؟ فإني سمعت رجلاً في الثمانين سئل عن حياته فقال: كأنها شهرٌ، فما ماتقول أنت؟
فقال: كأنها أسرع ما تكون، أقصر من شهر!.
كان محباً للعلم وأهله، وطالباً للعلم عند والده، وفي حلق العلم عند الشيخين محمد وعبداللطيف ابنا إبراهيم ال الشيخ رحمهما الله، فذكرتهما لهم يوماً فقال: نعم، حفظنا كتاب التوحيد والأصول الثلاثة وأداب المشي إلى الصلاة، وحضرت للشيخ محمد بن إبراهيم دروساً، وحفظت على الشيخ عبداللطيف الرحبية، وكان فرضياً مجيداً، ثم أنشدني:

والربع فرض الزوج إن كان معه
من ولد الزوجة من قد منعه

وهو لكل زوجة أو أكثرا
مع عدم الأولاد فيما قدرا

قال: كان الشيخ عبد اللطيف ذكياّ حافظاً حاذقاً، فيشرح لنا درسنا بعد الفجر، ثم يقسم على كلٍ منا مسائل في الفرائض لحلّها، ويطوف على الطلاب لينظر حلّهم، وفيهم من قد يبدّل السؤال هرباً من الجواب فيقول الشيخ عبداللطيف: “ما هيب هاذي اللي عطيتك”.
أخذتني عن أبي فهد مسيرة الحياة، والانتقال إلى حيٍ آخر، فكان سابقاً بالوصل والاتصال، والسؤال عن حالي وأبنائي، فأشعر بالحرج كيف لشيخ مثله يسأل عن حالي والحق له؟ لكن أهل الفضل سبّاقون بفضلهم.
وأطلت الغياب عن أبي فهدٍ لفترة قاربت ستة أشهر، ثم زرته وأنا خجلٌ من هذا التقصير في الوصل، فقال لي: 
كنت زعلان عليك، لكن الآن رضيت. ثم ضحك وربت على فخذه.
زرته قبل وفاته بشهرٍ ومعي ابني عبدالملك ففرح به كثيراً، وأعطاه الهدايا تعبيراً عن هذا الفرح به وبرؤيته، حتى صار ولدي يذكرني به ويقول: “متى نروح لصديقي الكبير؟”. أألفته يا بني من اللقاء الأول؟ كيف بمن يعرفه من اثني عشر عاماً إذن؟
اتصلت على أبي فهدٍ يوم السبت 14 شعبان 1445هـ، فسألني عن أحوالي ومعارفي، وكان مطمئن النفس مقبلاً علي كعادته، فلما مضت أربعة أيام وصلني نعيه وخبر وفاته.

ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام

ما كان أسرع تلك الأيام، كيف تقضّت وانصرم حبلها، وتفكك وصالها، برّد الله مضجعه.

الجمعة
03 شوال 1445هـ

Scroll to Top