ما أطيب اللقيا بلا ميعاد، وما أحلى منادمة الرجال، ومسامرة العقول، فكم من مجلس يزيد المرء حكمةً، ويضيف إليه تجربةً بما يسمع من تجارب الآخرين، وما لقوه في مسيرة حياتهم، وغابر ذكرياتهم، وما انتهت إليه خبراتهم.

خرجت في سفرة قصيرة لألتقي برجلين عَلَمين، خَبَرا الحياة، وعاركوا الأيام، فزادتهم في مسيرهم حنكةً وحكمة، وتأملاً ومهارة.رحّبا بي أيما ترحيب، وأفاضا عليّ من دِيَم الكرم ما أبهجني، وبث المسرّة في خاطري، وبعد استضافة حسنة كريمة منهما قالا: نحن ذاهبون إلى “يلوا”، نلتقي برجلٍ من رجالات التعليم في القديم والحديث، وحرصنا أن نؤجل هذا اللقاء حتى الملتقى بك، وكان هذا من كريم خصالهما، وليس منهما بغريب، فهما من عرفت وسمعت في الكرم والبذل والعطاء.

مضينا إلى مضيّفنا أبي أحمد، شيخٌ ذو وقار، يقيم في مزرعة تربّعت على سفح جبل في هذه الولاية الوادعة، وتطلُّ على بحر مرمرة من اليمين، وخليج البسفور من الشمال، وله في بستانه حديقة غناء، جمعت أشجار التفّاح بأنواعه، والتوت الأحمر والأسود، وشيء من الخضار، والجوز، وأشجار الصنوبر تحيط بالبستان كحزام أنيقٍ يرسّم الحدود، ويحفظ البستان من السباع والعاديات.

استقبلنا مضيّفنا أبو أحمد بالبشر والترحيبات العاطرة، ومضى يمشي نحونا بشوق كبير، وسرور غامر، ثم اجلسنا في مجلسه العامر في باحة منزله المطل على البستان والبحر والخليج، وقد تربّعت على طاولة كرمه القهوة السعودية في الدلّة العتيقة، لتضيف للجمال جمال الأصالة وعبق التراث.

أنسنا بمضيّفنا أبي أحمد شكر الله له، فقد أمطرنا بوابل كرمه، وأفاض علينا من فيوض تراحيبه، ثم تحدث لنا عن مقامه في مزرعته منذ سنوات، وكل ما ذكر شيئاً من محاسنها حمد الله، وقال: “نحن في نعمة لا يعلمها إلا الله“، وكان شكره لله جل وعلا عميقاً، وما أعظم الشكر من عبادة قلّ العاملون بها، ولا يوفّق لشكر نعمة الله إلا المصطفين من عباد الله.

انعطف بنا الحديث بعد ذلك نحو التعليم، سيرة ومسيرة، فقد تقلّب فيه مضيّفنا وصاحبيَّ سنوات عديدة، وشاركوا في التعليم العام والأكاديمي، والمحلي والعالمي، فتجمّعت لهم الخبرات فيه من كل حدبٍ وصوب، وزادت تجاربهم حتى صاروا مراجع فيه لخبرتهم ومعرفتهم.

قال أبو أحمد: “يسر الله لي أن افتتحت جمعيّة خيريّة في إندونيسيا تُعنى بالتعليم لذوي الحاجة والفاقة، فالتعليم هناك مدفوع، ولا يقدر عليه أي أحد، وكم من عقولٍ نابهة، ومهارات عالية أُلقيت في مهاوي الردى، وتردّت في أودية الجهل، للعجز عن تكاليف الدراسة، فأنشأنا جمعية خيريّة تعنى بهؤلاء النابهين من أبناء الأسر الضعيفة، فنكفلهم في التعليم، ونيسّر لهم مساراته، ففي التعليم ورفع الجهل على الناس نعمة، وكم أصلح التعليم من أناس، والتعليم كلّه خير، ولو قُدِّر ﻷحد التلامذة أن خرج بعد التعليم منحرفاً، إلا أن الانحراف للمتعلّم أقل ضراراً من انحراف غير المتعلّم، فهو مهذّب للنفوس، وسراج للطريق، والأصل في التعليم الإصلاح لا الإفساد، هذا لو قدّر ذلك، فإن إنحراف المتعلّم أهون من إنحراف الجاهل”.

وقد صدق، فأنت ترى كم صنع التعليم بفضل الله من رجال، وكم أنهض من أمّة، وغيّر من مجتمع، وقد كان محلّ اهتمام النبي صلى الله عليه وسلّم منذ الغزوة الأولى، فلأهميته جعل النبي صلى الله عليه وسلم شرطاً من على من لم يجد مالاً يفدي به نفسه من أُسرى بدر أن يعلّم عشرةً من أبناء الأنصار القراءة والكتابة، وما ذاك إلا لعميق أثر التعليم في المجتمع، وقل لي ما مستوى التعليم في مجتمعٍ وأمة أقل لك من هم.

بعد ذلك، انتدب للحديث أحد صاحبيّ، فقال: “كانت لنا تجربةٌ مباركة على مستوى العائلة، فقد كنت مسؤولاً عن صندوق الأسرة، ومتابعة أحوالهم، فكان مما لاحظناه أن أحد فروع أسرتنا ضعيفون في التحصيل العلمي، ولا نعرف منهم أحداً يحمل الشهادة الجامعيّة، فجعلنا من شروط الاستحقاق لهم: التميّز في التحصيل العلمي الثانوي، ثم استكمال الدراسة الجامعية في التخصص المناسب لكل طالب بحسبه، فكان ذاك من أجل القرارات التي نجحت الأسرة في رفع مستوى فرعٍ تميّز فيما بعد، وما ذاك إلا من بركة التعليم”.

بل وزادت هذه الأسرة تميّزها في دعم أبنائها، فقام بعض وجهائها برعاية قرابة المئتين من الموهوبين والنابهين المجتهدين من أبنائها، ودعمهم في برامج الابتعاث الخارجي، مع ربط الدعم بالتميز العلمي، وحسن التحصيل، ثم الانضمام للبعثات الحكومية على حساب الدولة وفّقها الله.

وهذه تجربة متميّزة لأسرة عريقة من الأسر السعودية، وملمحٌ ذكيّ من المسؤولين، فربط الجوائز بما هو أنفع للمرء وللفرع على المدى البعيد فكرة استراتيجية لها أهدافها البعيدة النبيلة، وتحققها ليس بالمستحيل.والابتعاث يزيد -بإذن الله- المجتهد تركيزاً على هدفه، فالتفرّغ للدراسة في زمن المشتتات من أعظم وسائل التحصيل، وتحصين الشاب نفسه بالزواج من أقوى المعينات على الاستمرار، فالشعور بالمسؤولية، وحمل همّ الأسرة، مع التفرّغ للدراسة، بواعث للتميّز والتحصيل بإذن الله.هذا طرف من حديث شيّق وماتع استمر إلى الليل، وكنت في نفسي أقول: “ما أسمى هؤلاء، فكل حياتهم مضت في بناء العقول، واستكشاف القدرات، وتوجيه الطاقات، ومن عاش لأمته ومجتمعه كريماً مات عظيماً، وبقي أثره في الناس، وما أحلى ذلك الأثر…”.

ليلة السبت

٠٩/جمادى الأولى ١٤٤٧هـ

٣١ أكتوبر ٢٠٢٥

إزميت – تركيا

7 أفكار عن “ليلة على ضفاف مرمرة والبسفور”

  1. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
    شكر الله لك هذه الكلمات الماتعات
    ولا شك أن الإنسان يأنس للكلام المهذب الذي ينزل على القلب كالعسل المصفى خاصة أنه من شخص له تجارب ومعارف ومستقبل وارف
    لكنك زدت المكيال في الثناء والاطراء فهذا مما يفسد على إخوانك نياتهم
    ومما لاشك فيه أنهم وقعوا في اخطاء كثيرة لا نذكرها ولا نتكلم عنها إلا نادرا
    فالإنسان يحب أن يتكلم عن نجاحاته أكثر بكثير عن اخطائه وهفواته وبعضها فيها عبر لكنه يخشى أن تفهم وتفسر بطريقة تضر….
    اكتفي بهذا القدر
    ولك جزيل شكري ودعائي بأن يوفقك المولى لكل خير و عطاء
    شكر الله لك ونفع بك

  2. د. عادل الوريدي

    لقاء جميل جمع بين دفء الصداقة وكرم الضيافة وثراء الحديث، فكان من المجالس التي تبقى رائحتها في الذاكرة طيبًا وأثرًا.

    حفظكم الله جميعًا ونفع بكم أمتكم.

  3. د. عادل الوريدي

    لقاء جميل جمع بين دفء الصداقة وكرم الضيافة وثراء الحديث، فكان من المجالس التي تبقى رائحتها في الذاكرة طيبًا وأثرًا.

    حفظكم الله جميعًا ونفع بكم أمتكم.

  4. ما أجمل مجالسة المجربين، ومنادمة الرجال، ومسامرة ذوي العقول والنهى ..
    إنها تزيد إلى عمر الإنسان عمرًا، وتنير له من الدروب والمعارف ما لم يخطر له على بال ..
    وهي لون من ألوان مذاكرة العلم علم الحياة والسير فيها..
    بارك الله لكم وفيكم ..
    ونرتقب ملامح وشذرات من تلك الفوائد والتجارب ..
    ليعم النفع ويصيبنا شيء من تلك “الديم” 🙂

  5. كم صنع التعليم بفضل الله من رجال، وكم أنهض من أمّة، وغيّر من مجتمع، و قالها شوقى من قبل
    قُـم لِـلـمُـعَـلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا كـادَ الـمُـعَـلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
    أَعَـلِـمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَـبـنـي وَيُـنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
    سُـبـحـانَـكَ الـلَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ عَـلَّـمـتَ بِـالقَلَمِ القُرونَ الأولى

    أحسنت السرد والتصوير من جميل نقل المشهد وبهائيه

  6. كم صنع التعليم بفضل الله من رجال، وكم أنهض من أمّة، وغيّر من مجتمع، و قالها شوقى من قبل
    قُـم لِـلـمُـعَـلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا كـادَ الـمُـعَـلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
    أَعَـلِـمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَـبـنـي وَيُـنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
    سُـبـحـانَـكَ الـلَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ عَـلَّـمـتَ بِـالقَلَمِ القُرونَ الأولى

    أحسنت السرد والتصوير من جميل نقل المشهد وبهائيه

  7. أهلا وسهلاً بأخي النابه النبيل الاستاذ يزيد.
    وكم أنا سعيد بزيارتكم مع أخوة نبلاء أعزاء.
    والمؤمن يألف ويؤلف.. والمرء قليل بنفسه كثير بأخيه.
    لقد أكرمتموني بزيارتكم أيما أكرام.. واستمتعت بالجلوس والتسامر معكم.
    لقد بالغت في الثناء يا أخي.. ولعل ذلك من طيب أخلاقك ونبل مشاعرك.
    أسأل الله لك التوفيق والسداد في خدمة قضايا أمتنا ، والتي يجب أن تنهض، لينير شعاعها العالم عدلاً وعلماً، بعد أن حادت عن الطريق.
    تحياتي وحبي وتقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top