صليت ذات عشاء في جامع الإيمان بحي السويدي بالرياض، وبعد الصلاة قام شيخ وقورٌ، كثّ اللحية، هادئ البسمات، فوعظنا بالاستعداد لليوم الآخر، وأعمارنا بين الستين والسبعين، فماذا أعددنا بعد ذلك؟ ثم أخذ يتكلم في بناء المرء لأخراه، والاستثمار في دار البقاء، وتحدّث عن الوقف بوصفه حياةً لا تنقطع بالموت. كان حديثاً عذباً، ممتلئاً بالصدق، مفعم بالحب للمسلمين، والحرص عليهم، أحسست من ذلك الشيخ كأنه يغار على المسلمين أن يخرجوا من حياتهم بلا أثر، فإما بالوصيّة الصالحة، أو بالوقف المنجز في الحياة، المهم ألا تنقطع أعمالك برحيلك. سلّمت عليه، وشكرته على هذه الكلمات الصادقة وتعرفت عليه، ثم طلبت منه أن يزورني في مسجدي ليلقي علينا هذه الكلمة العظيمة، فالعاقل من يستعد للحياة الأبدية، ويقدّم بين يديه عملاً صالحاً يرجو أن يستضل به يوم القيامة. كان الشيخ سمحاً طيباً، مستجيباً لكل دعوة إلى الخير، وطارقاً لكل باب من أبواب الحظ على الأوقاف والوصيّة، دالاً للمسلمين على أحكامها، معرّفاً بأهميتها، ويحمل معه في سيّارته نماذج جاهزة للوقف والوصيّة جاهزة للتوقيع، رجلٌ بحق كل همّه أن يقوم برسالته العظيمة: إعادة مركزيّة الوقف في حياة الناس. مرّت الأيام، ودُعيت من قِبل لجنة الأوقاف بغرفة الرياض لإدارة ورشة عمل حول الأوقاف، ومراجعة جدول المخالفات والعقوبات الخاصة بلائحة تنظيم أعمال النظارة، وها هو الشيخ سليمان الجاسر موجود ضمن الحضور، يناقش ويحاور، يقترح ويعدّل، يشارك بخبرته قرابة الثلاث ساعات استشعاراً لأهمية الأوقاف ودورها في النهوض بالوطن والمجتمع، فكان من نتائج تلك الورشة أن قُبل كثير من توصياتها بفضل الله. حدثني يوماً عن أهمية الكلمة، وقوّة تأثيرها، وصدق النيّة، ونصح الناس بالأوقاف والوصية، فكثير منهم غافلون، ولربّ كلمة قلتها في مجلس عابر أخرجت وقفاً من رجلٍ ذُكِّر فتذكّر، ودعي فاستجاب. لم يكن الشيخ يترك منبراً يظن أن فيه قلباً قابلاً للوقف إلا وقف عليه وشارك فيه، وقد بورك له في سعيه، فتجاوزت الأوقاف على يديه المليارات، والله وحده العالم بالأثر.. يقول أنه صلى يوماً في مصلى الأبراج بوقف الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، ثم ألقى كلمةً عن الوقف والوصيّة فخرج من ذلك المجلس وقفٌ بمئات الملايين، لم يكن ليخرج لولا الكلمة الصادقة، تلك بركة صدق النيّة، والكلمة الطيّبة.. لم يبقِ الشيخ عمله شخصياً فردياً – ونعم الجهد والعمل والشخص – بل أسس للأوقاف وقفاً لإعانة الواقفين، فأقام صرح مركز واقف خبراء الوصايا والأوقاف، ليشيع بذلك ثقافة الوقف والوصية وأحكامهما، ويمتد أثره لتقديم الدورات للمهتمين والمتخصصين، ومكتبةً إلكترونية تعنى بأحكام الوصايا والأوقاف، وصيغ أوقاف ووصايا جاهزة، وجهود كبيرة لا يحيط بأثرها إلا الله جل وعلا.
بعد ذلك كلّه أسأل نفسي وأقول: كيف سيكون حالنا لو كان بيننا عشرة أو يزيدون كالشيخ سليمان الجاسر، كلٌ في ثغره، وعلى باب من أبواب الخير يدل الناس ويرشدهم إليه. كم من طاقات أهدرت بالنقد والتشكي، ولكن النقد مريح، والعمل مكلف، ولذلك قلّ العاملون. الميدان لا يعرف الأماني، ولا يحفل بالكلمات إن لم تتحوّل إلى مبادرات صادقة، ومشاريع قائمة، لا يلتفت إلى المتحسّرين على تقصير الناس وهم لم يمدّوا أيديهم بشيء، والحال لا تتغيّر بكثرة النواح والنقد، بل الواقفين على الثغور. المجال مجال للصادقين؛ من صدقوا مع الله فأنشأوا، وبنوا، ودلّوا، وأحيوْا المعاني في القلوب قبل أن يكتبوها في الكتب. حمل الرسالة ليس بفكرة تُلقى، بل عملٌ يُؤسس، وعقود تُصاغ، وأموال تنفق، وأوقات تبذل، ومسؤولية تُحمل. وكذا كان الشيخ؛ فلم يكتفِ أن يقول للناس “تصدّقوا”، بل أخذ بأيديهم إلى الطريق، وفتح لهم الباب، وهيّأ لهم الصيغة، وأقام لهم الجسر بين الفكرة والتنفيذ.
مات الشيخ، وبقيت الأوقاف شاهدةً على جهوده، بقيت الصيغ التي كتبها، والكلمات التي ألقاها، والأموال التي أُطلقت في سبيل الله بسببه، وكذلك يكون الصادقون إذا غابوا، بقيت أعمالهم شاهدةً أنهم مرّوا من هنا. الميدان ما زال مفتوحًا… فهل نكون من الواقفين في ثغوره؟ رضي الله عنه وأعقبنا فيه خيراً.
الرياض الثلاثاء 07 شعبان 1447هـ 24 فبراير 2026م
فكرتين عن“الشيخ سليمان الجاسر الواقف على الأوقاف”
ابونافع الوريدي
كلمات جميلات
أعادة لنا النظر في هذا الأمر،وهو الوقف فضلة وما له من أهمية في ديننا الإسلامي.
كذلك همة الشيخ وإختياره لهذه المهمة العظيمة .
كذلك اللفتة من الكاتب لهذا القصة التي قل أن تجد لها نظير،
كذلك النصائح الجليلة في ثنايا الكلمة والتي تحث على النظر والعمل على مثل هذه الأعمال .
كلمات جميلات
أعادة لنا النظر في هذا الأمر،وهو الوقف فضلة وما له من أهمية في ديننا الإسلامي.
كذلك همة الشيخ وإختياره لهذه المهمة العظيمة .
كذلك اللفتة من الكاتب لهذا القصة التي قل أن تجد لها نظير،
كذلك النصائح الجليلة في ثنايا الكلمة والتي تحث على النظر والعمل على مثل هذه الأعمال .
بارك الله تعالى له فيما قدم واستحسن فلن يضيع الله اجر من احسن عملا
ليت النشر يكون اوسع فتعم الفائدة من تلكم الاسوة الحسنة