المساحات الحرة في نظام الإثبات

مدخل:
لا ينازع أحد في أن المقصود الأول من التشريع والتنظيم حفظ حقوق المتعاملين، وتسيير معاملات الناس بوضوح وتراتيب تحقق للجميع ثمرة التعاقد والأعمال المشتركة والمتقاطعة بينهم.
وإن من المشاهد لدينا في المملكة العربية السعودية الحرص على تحديث الأنظمة والقوانين وتمتين أدواتها النظرية والتطبيقية لإرساء العدالة، والسبق في المجال التشريعي العدلي على وجه الخصوص، والذي كان من آثاره صدور نظام الإثبات بعد أن كان فصلاً في نظام المرافعات الشرعية، لإحكام وسائل الإثبات في التعاملات المدنية والتجارية.
ولما كان من أهم مجالات النهوض بالاقتصاد السعودي توسيع التعامل التجاري الدولي ومجالات الاستيراد والتصدير، وزيادة الناتج المحلي والوطني، ونشر ثقافة العمل التجاري بين رجال الأعمال وروّاده، وما يتنج عن ذلك من توسع في التعاملات التجارية والعقود والاتفاقيات بين الشركات والمؤسسات والأفراد؛ وكثرة الناشئ والمستجد والمستحدث منها، كان من أساسات تدعيم هذه النهضة إرساء وسائل الإثبات وتقنينها لتحقيق العدل بين المتعاقدين، وضمان تنفيذ الالتزامات والحقوق، وإلقاء عبء الإثبات على المتعاقدين فيما بينهم، ليكون المتعاقد والداخل في أي التزام هو المسؤول الأول عن إثبات حقه وما يدعيه ويطالب به، وبذلك يتحقق قول فقهائنا : المفرّط أولى بالخسارة، وهذا ما قامت به المملكة العربية السعودية من خلال صدور المرسوم الملكي رقم (م/43) بتاريخ 26/05/1443ه بالموافقة على نظام الإثبات، وهو طليعة التحديثات الجديدة للتنظيمات المتّسقة مع تطورات الفترة وما تطمح إليه  المملكة في النهضة التشريعية والقانونية.

تحقيق مبدأ حرية الأطراف في الأنظمة والقوانين:
ولما كانت التعاملات بين المتعاقدين على شتى أصنافهم لا تخلو من خيارات والتزامات خاصة وعامة، جعل المنظّم في نظام الإثبات مساحات حرة كان الأمر فيها للمتعاقدين في اختيار بعض التطبيقات التي يرونها مناسبة لإثبات تعاملاتهم التجارية، وآلية سيرها، والإجراءات المعمول بها، وصولاً إلى مآلات هذه التعاملات في حال الخلاف، كيف يكون الإثبات فيها؟ وبهذا يتحقق في النظام مبدأ حرية الأطراف في اختيار الوسائل التي توائم اتفاقياتهم وأعمالهم وما ينتج عنها من آثار والتزامات وحقوق.
ولأهمية تطبيقات هذا المبدأ، والتي تكفل للمتعاقدين السّعة والحريّة في اختيار التطبيقات المناسبة برزت المساحات الحرة في نظام الإثبات جليّة واضحة منثورة في (9) تسع مواد تناثرت في فصول النظام، رأيت إبرازها في ورقة علمية مختصرة تركّز على أثار المساحة الحرة في المادة، وآلية تطبيقها والاستفادة منها، وقد يقتضي التعليق على المادة الشرح الميسّر للإبانة والتجلية.

 

المساحات الحرة في نظام الإثبات :

المادة الخامسة
لا يلزم لإثبات الالتزام شكل معين، مالم يرد فيه نص خاص أو اتفاق بين الخصوم.
المساحة الحرة:
الأصل أن الإثبات لا يتخذ شكلاً معيناً لايقبل إلا به، فمتى صح الإثبات بالكتابة، أو بالخبرة، أو بالمعاينة، أو الشهادة، أو الإقرار، فهو حجّةٌ للمتعاقدين، إلا إن اتفق المتعاقدان على شكل معيّن للإثبات، وحصروه في حدودٍ خاصة فيعمل به، ويُقتصر عليه، كأن يكون الاتفاق على قصر الإثبات في الدليل الكتابي الالكتروني على أوراق طرفيه، أو أحدهما، فحين إذن يصح هذا الاتفاق شريطة أن يدوَّن بينهم ما يثبتُ قصرَ الإثبات على هذه الصورة المحددة دون غيرها.
مثاله:
أن يشتمل العقد بين الأطراف على بند ينص على ما يلي: (لا يصح الاحتجاج بأي وسيلة من وسائل الإثبات إلا ما كان مكتوباً على الأوراق الرسمية لمنشئ المكاتبة، وأن تكون الكتابة فيها بالوسائل الرقمية).
 
المادة السادسة
إذا اتفق الخصوم على قواعد محددة في الإثبات فتعملُ المحكمة اتفاقهم، مالم يخالف النظام العام(1).
لا يعتد باتفاق الخصوم المنصوص عليه في هذا النظام مالم يكن مكتوباً.
المساحة الحرة:
أكدت الفقرة الأولى من هذه المادة على حجيّة مبدأ حريّة الأطراف في تحديد قواعد للإثبات، لا يجوز للمحكمة تجاوزها إلا أن تكون هذه القواعد مخالفة ً للنظام العام، فلا يجوز إعماله، ويكون هدراً.
لايعتبر أي اتفاق بين الخصوم في التطبيقات محل الاتفاق من نظام الإثبات إلا بالكتابة، إذ الأصل إعمال النظام، ولا يُصار إلى إعمال اتفاق الخصوم إلا أن يكون مكتوباً.
مثاله: لو اتفق أطراف التعامل – أو الخصوم – على أن قواعد الإثبات المحددة التي هي محل الاحتجاج فقط دون غيرها ما كان وارداً أو متبادلاً بين الطرفين كتابة عبر البريد الإلكتروني دون غيره، فيجب حين إذن الاتفاق كتابةً على النص التالي -مثال- : ” لايعتبر حجّة بين الطرفين في المخاطبات والمراسلات والتعديلات المتعلقة بأعمال هذا العقد، ولا يكون محلاً للاحتجاج أمام القضاء إلا ما كان مكتوباً ومرسلاً إلى الطرف الآخر عبر البريد الالكتروني المسجل في صدر هذا العقد، وكل ما سواه فلا يعتد به من وسائل الإثبات”.
 
المادة السادسة والثلاثون
للخصم في الدعاوى التجارية أن يطلب من خصمه تقديم محرَّر ذي صلة بالدعوى أو الاطلاع عليه، وتأمر المحكمة بذلك وفق الضوابط الآتية:
ج- ألّا يكون له طابع السرية بنص خاص أو اتفاق بين الخصوم، أو ألا يكون من شأن الاطلاع عليه انتهاك أي حق في السر التجاري أو أي حقوق متصلة به.
المساحة الحرّة:
من صلاحيات المتعاقدين – الخصوم في حال النزاع – أن يقرروا بالاتفاق سرية بعض المحررات من عدمها، ولهذا الاتفاق أثره في النظر القضائي، والدفع به باعتباره مانعاً للتقديم، وتعمل المحكمة آثار هذا الاتفاق في نظرها للدعوى ومستنداتها، وفي اعتبار المستند أو المحرر خاضعاً لأحكام السرية من عدمها.
مثاله: النص في عقد بيع منفعة اختراع – مثلاً – على ما يلي: “يخضع عنصر حماية المنتج للسرية ولا يجوز اطلاع الغير عليه إلا بموافقة الطرف الأول – البائع-“.
 
المادة الثانية والأربعون:
1. في حالة عدم اتفاق الخصوم على المحرَّرات الصالحة للمضاهاة(2)، فلا يقبل إلا ما يأتي:
أ- الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة الموضوعة على محرَّرات رسمية.
ب- الجزء الذي يعترف الخصم بصحته من المحرَّر محل التحقيق.
ج- خط الخصم أو إمضاؤه الذي يكتبه أمام المحكمة أو البصمة التي يبصمها أمامها.
د- الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة الموضوعة على محرَّرات عادية ثبتت نسبتها إلى الخصم.
المساحة الحرّة:
للمتعاقدين – أو الخصوم في حال النزاع – أن قصروا ما تصح مضاهاته على مستندات ومحررات معيّنة، لا تتجاوزها إلى غيرها، فإن لم يحددوا ما تصح مضاهاته دون غيره فلا يجوز للمحكمة قبول المضاهاة إلا فيما ذكره النظام من المحررات الحاملة للخط أو الإمضاء أو الختم إلخ.
مثاله: لو اتفق الخصوم على أن المضاهاة لا تكون إلا في محررات الأختام والبصمات فقط دون غيرها، فيكون النص عليه – مثلاً – بما يلي : (لا يجوز طلب المضاهاة إلا على محررات الأختام والبصمات بين الطرفين، المتصلة بموضوع هذا العقد.)
المادة السابعة والخمسون:
يكون الدليل الرقمي غير الرسمي حجةً على أطراف التعامل -ما لم يثبت خلاف ذلك- في الحالات الآتية:
إذا كان مستفاداً من وسيلة رقمية منصوص عليها في العقد محل النزاع.
المساحة الحرّة:
اعتبر المنظّم صحّة الاحتجاج بالمستند الرقمي المتفق عليه بين أطراف التعامل، ويكون لهذه الوسيلة الرقمية حجيّة الإثبات بالكتابة مادام الاتفاق عليه بين أطراف التعامل قائماً في ذات العقد محلّ النزاع.
مثاله: الاحتجاج بالمخاطبات والمراسلات الواردة بين أطراف التعامل عبر تطبيقات المراسلة الحديثة كالواتساب، وذلك – مثلاً – بالنص على ما يلي: ” تعتبر المخاطبات الواردة بين الطرفين على تطبيق الواتس أب تبليغات صحيحة منتجة لآثارها”.
 
المادة السادسة والستون
2-لا تقبل شهادة الشهود في إثبات وجود أو انقضاء التصرفات التي تزيد عن مائة ألف – أو ما يعادلها أو كان غير محدد القيمة-، ويجب كتابته ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك.
المساحة الحرّة:
الأصل أن التعاملات بين المتعاقدين تكون على مبدأ التوثيق الكتابي، والمحررات فيما بينهم، وتجب الكتابة في كل تعامل بين أطرافه إذا كانت قيمة التعامل تتجاوز (100.000) مائة ألف ريال ولم يقبل المنظّم في إثبات وجود أو انقضاء التصرّفات التي تزيد على مبلغ (100.000) مائة ألف ريال شهادة الشهود على ذلك، إلا في حال اتفاق المتعاقدين – أو الخصوم – على قبول شهادة الشهود، والاحتجاج بها للإثبات، مالم يخالف ذلك نص المادة السابعة والستين (67) من النظام(3).
مثاله: النص في العقد بين المتعاملين على ما يلي: “اتفق الطرفان – الخصمان – على قبول الاحتجاج بشهادة الشهود في قبول أو نفي التصرفات الواقعة منهما أو من أحدها الخاصة بالأعمال المتصلة بمشروع هذا العقد”.
 
المادة الثامنة والثمانون
يجوز الإثبات بالعرف، أو العادة بين الخصوم، وذلك فيما لم يرد فيه نص خاص، أو اتفاق بين الأطراف، أو فيما لا يخالف النظام العام.
المساحة الحرّة:
جعلت هذه المادة الإثبات بالعرف أو العادة بين الخصوم جوازياً، مالم يتفق أطراف التعامل على اعتبار عرفٍ أو عادة معيّنة منصوص عليها بينهم، ولم يخالف ذلك الاتفاقُ النظام العام، فلا يجوز الإثبات بعُرفٍ أو عادة تخالف هذا الاتفاق.
مثاله: تختلف أعراف الناس بحسب معاملاتهم وأسواقهم في اعتبار ثمن المبيع المطلق هل هو شامل لعمولة السمسرة، أم لا؟ فإن اختلف الأطراف في ثمن مبيعٍ هل هو شامل للعمولة أم لا؟ فيجوز للمحكمة أن تجري العادة والعرف بين الخصوم في هذه الواقعة باعتبار تعاملاتهم السابقة إلخ، مالم يوجد اتفاقٌ بينهما على اعتبارٍ معينٍ فيجب إعماله، وذلك مثلاً بالنص على ما يلي: ” اتفق الطرفان على أن الثمن المستقر في البيع يكون صافٍ دون حساب عمولة إدارة المزاد”. وعليه ، فلا يجوز للمحكمة أو أحد الأطراف الاحتجاج أو الدفع بأن العرف أن يكون الثمن شاملاً للعمولة.
 
المادة العاشرة بعد المائة
إذا اتفق الخصوم على اختيار خبير أو أكثر أقرت المحكمة اتفاقهم.
المساحة الحرّة:
جعل المنظّم من حق الخصوم في حال ندب خبير الاتفاق على خبيرٍ معيّنٍ أو أكثر، للاحتجاج بخبرته في حال النزاع وتقييم الأعمال وما أشبه ذلك، وعلى المحكمة أن تقر اتفاقهم.
مثاله: النص على ما يلي: “اتفق الطرفان على أن الخبير المعتبر رأيه في صحّة تنفيذ الطرف الثاني -المقاول – لأعمال السلامة والحريق : شركة (أ) لمعدات السلامة والحريق”.
  أو النص على أكثر من خبير بما يلي : “الخبراء المعتبر رأيهم في صحّة تنفيذ الطرف الثاني -المقاول – لأعمال السلامة والحريق هم: شركة (أ) لمعدات السلامة والحريق ومؤسسة (ب) لمعدات السلامة، مجتمعين” 
 
المادة الحادية والعشرون بعد المائة:
يجوز للخصوم، ولو قبل رفع الدعوى، الاتفاق على قبول نتيجة تقرير الخبير، وتُعمل المحكمة اتفاقهم؛ ما لم يتضمن التقرير ما يخالف النظام العام.
المساحة الحرَّة :
يجوز لأطراف النزاع، ولو قبل اللجوء للمحكمة لفضّ النزاع القائم بينهم الاتفاق قبول نتيجة تقرير خبيرٍ معيّنٍ، ويكون حجّة على الطرفين، وتعمل المحكمة اتفاقهم، إلا أن يتضمن التقرير ما يخالف النظام العام فلا يحتج به.
مثاله:
النص على ما يلي: “اتفق أطراف النزاع على قبول نتيجة الخبير مؤسسة (جـ) للاستشارات الصناعية في النزاع القائم بين الطرفين، ويكون تقرير الخبير حجّة على الطرفين أمام المحكمة المختصة”.
تمت في الرياض
1445-02-09 هــ




(1) ورد في اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ : الفقرة (3) للمادة الحادية عشرة: (المقصود بالنظام العام: هو أحكام الشريعة الإسلامية)، وورد تفسر “النظام العام” في الأمر الملي رقم 44982
في 4/ 10 / 1433 ه والمعمم على المحاكم برقم 13 /ت/ 4743 في 16 / 10 / 1433 ه بأنه:(القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية المستندة إلى نصوص الكتاب والسنة).
(2) المضاهاة : المشابهة والمقاربة، ويقصد بها :المطابقة بين خطوط أو تواقيع أو بصمات وغيرها لحصر أوجه المطابقة بين النموذجين أو أكثر، وهي من أدوات الإثبات لتأكيد نسبة توقيع أو خطٍ أو ختم لمن قام به إذا أنكره وادعى حامله صحته، وتتولى الجهات المختصة مثل : الأدلة الجنائية مباشرة ذلك بالطرق والأدوات الفنية الخاصة بالمضاهاة.
(3) المادة (67) من النظام : لا يجوز الإثبات بشهادة الشهود ولو لم تزد قيمة التصرف على ( مائة ألف ريال أو ما يعادلها) في الحالات التالية : 1- فيما اشترط النظام لصحته أو إثباته أن يكون مكتوباً. 2- إذا كان المطلوب هو الباقي أو جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة. 3- فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي. وينظر كذلك ما استثناه النظام في المادة الثامنة والستين (68) في أحوال قبول الشهادة فيما زاد على (100.000) مائة ألف أو ما يعادلها وكان واجب الكتابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top