مجالس العلماء قطعة من الجنة


قال الحسن البصري:” الدنيا كلها مظلمة إلا مجالس العلماء” [جامع بيان العلم وفضله 1/236].

لا تنقضي العجائب من لقاءات المرء بالعلماء، ففيوضات الرحمة المتنزّلة من لدُن العزيز الوهاب ساحرة حاضرة في مجالسهم ولقاءاتهم، والسرور والأنس بالحديث معهم لذّة لا تقوم معها لذّة، فكم في صدور الرجال مالا تحويه الكتب، ولا تحيط به العلوم المبثوثة في المعاجم والمتون وكتب الفنون، إنها فُهُوم الفتوحات الربانية، وخلاصة الزمن للمتعايش مع فنّه بجدٍ ونهم، ولا غروَ أن تجد هذا عند من أقبل بكليّته عليه، فمن انقطع إلى شيء أتقنه.
ثم إنّك تجد في مجالس أهل العلم أنساً وانشراحاً لا مثيل لهما ألبتة، وتغشى الزائر من المعاني الأُنسية العجيبة مالا خَبر له به من قبلُ إلا في مجالسهم وموارد علمهم، فإذا تحدّثوا في العلم وتطارحوا المسائل، رأيت في ألفاظهم وبيان تفسيرهم وحلّ مشكلات العلم ما تتعجب منه، وما ينعكس عليك من أثرٍ في الفهم عميق جداً، لمسائل ماكنت تكاد فتهم مبادئها، هي الآن تتجلى لك في أبهج صورة بيّنة واضحة وضوح العيان، فتنشط النفس، وتدبّ في العروق نشوة الفرح، طرباً لحلّ إشكال، أو بلاغ نكتةٍ لطيفة، كانت بفضل الله، ثم بدقّة فهمِ عالم جليل.
قال أبو عُبيد متحدّثاً عن نفسه وكتابه “غريب الحديث”: “كنتُ في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنَةً، ورُبَّما كنت أستفيد الفائدةَ من أفواه الرِّجال، فأضَعها في موضِعِها من هذا الكتاب، فأبِيت ساهِرًا؛ فرَحًا منِّي بتلك الفائدة” [“طبقات الحنابلة”، لابن أبي يَعْلى، ص (261).]
ثم هذه المعاني المستحدثة الجديدة العجيبة، والفهم الدقيق، والفتوحات المتجددة جديدة لا خبر لك بها إلا في هذه المجالس الطيّبة، أهي بهذه الحلاوة لأن العلم ربّاني، وهذه فيوضات الكريم العليم سبحانه؟ أم لأن هذه المجالس هي مجالس الجنّة؟ أتُراها بهذا الجمال لكون العلم من ملذّات الجنة فنزل الآن، وطاب لك من رَوح الجنة ونعيمها نعيمٌ معجّل! ربما، ففضل الله واسع.
ثم تأمل قولهg ” ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله…” الحديث [رواه مسلم]،
أفلا تجد معي في تأملك لقوله g أن أثر اللّذة السماويّة بادٍ في هذا الحديث، فهذه الملائكة قد تنزّلت من سمائها لتحفّ مجلس العلم، والسكينة نزلت على أهله، ومغفرة الغفور قد غشيتهم، ثم أكرمهم جل وعلا فذكرهم، فكان لهم من نعيم الجنّة المعجّل ما نزل عليهم في الدنيا، وليس ذاك إلا لمجلس العلم.
 ثم إن هذا الاتصال بين مجلس العلم ولذّة الجنّة قد عرض لبعض العلماء ممن وجدوا هذه اللذّة، فلم يجرِ في خيالهم مما يشابه هذه اللّذة إلا لذّة جنّة الله لعباده.
فكان أبو الفرج ابن الجوزي r يقول واصفاً حاله في مجلس العلم:
اللهَ أَسْأَلُ أَنْ يُطَوِّلَ مُدَّتِي *** وَأَنَالَ بِالإِنْعَامِ مَا فِي نِيَّتِي
لِي هِمَّةٌ فِي العِلْمِ مَا مِنْ مِثْلِهَا *** وَهِيَ الَّتِي جَنَتِ النُّحُولَ هِيَ الَّتِي
كَمْ كَانَ لِي مِنْ مَجْلِسٍ لَوْ شُبِّهَتْ *** أَجْوَاؤُهُ لَتَشَبَّهَتْ بِالْجَنَّةِ [سير أعلام النبلاء (21/ 379)]
وانظر كيف أن رسول  الله g سمّى هذه المجالس برياض الجنّة فقال: “إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا” ، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: “‌مجالس ‌العلم” [رواه أحمد والترمذي] .
بأبي وأمي سيد العلماء في الأولين والآخرين ، ما أبلغ وصفه يوم سماها “رياض الجنّة”، والله إن هذا لفضلٌ كبير.
ما أطيب العيش في كنف العلم، والتحلّق في حلق أهله، ومزاورتهم في الله، ومن سعى للعلم فبذل في سبيله كل غالٍ ونفيسٍ من مال وترك راحةٍ وركوبٍ للصعب في مبتغى طلبه والسعي إليه، نال لذّة المطلب إن صبرَ، ووافاه من عاجل بشرى مسيره علوٌ في همته يجاوز به مفازة الطريق.
ومن دقيق ولطيف التفسير لهذا المعنى ما ذكره البقاعي عن الجن واستراقهم السمعَ لطلب العلم الغائب عنهم فقال: “فعلتْ هممهم حتى طلبوا المهمات الدنيوية والشهوات النفسانية من مسيرة خمسمائة سنة صعوداً، فأفٍّ لمن يكسل عن مهمات الدين المحققة من مسيرة ساعة أو دونها، وأن يقعد في ‌مجلس ‌العلم ساعة أو دونها” [نظم الدرر 476/20].
وهذه الجنة التي فيها مجتمع اللذائذ كلها، كان نصيب العلماء منها وافراً، فهم لا يزالون في الجنّة يشتغلون بلذّة العلم فيما بينهم، وأي لذّةٍ للعقول ألذّ من لذّة العلم بالله، والعلم بشريعته e ؟ ولكنّها لذّة ليست إلا لأهل العلم وطلابه، وماكان هذا ليفوت على الهمام الإمام ابن القيم r يوم ذكر تزاور أهل الجنّة لبعضهم فقال:   وإذا تذاكروا ما كان بينهم، فتذاكرهم فيما كان يُشْكِلُ عليهم في الدنيا من مسائل العلم، وفهم القرآن والسنة، وصِحَّة الأحاديث = أولى وأحرى، فإن المذاكرة في الدنيا في ذلك ألذُّ من الطعام والشراب والجماع، فتذاكر ذلك في الجنَّة أعظم لذَّة، وهذه لذَّة يختص بها أهل العلم، ويتميزون بها على من عداهم. واللَّه المستعان” [حادي الأرواح 2/820] هذا والله مجلسُ السعد والأنس، فاللهم أكرمنا به.

“نهارٌ كبير”:
 اتصلت عليه وقلت: طالب علم قادمٌ إلى بلدكم للقائكم، فهل تأذن بشيء من وقتك لي؟ فهلَّا ومرحب، وما إن رآني حتى أخذني بالأحضان، يقبّلني ويقول : نهارٌ كبيرٌ أن أرى طالب علم عندي.
في بلدة هانئة وادعة، وفي عمارة سكنيّة من ثمان طوابق جميلة مشرفةٍ على المدينة من كل نواحيها، سهولُ المدينة من الجهة الجنوبية، وفي شرقها البحر والخليج الصغير.
 استضافني شيخنا فرحاً مسروراً، تقاطع البسمة كلماته، فرحٌ حقيقيٌّ بطالب محبٍ زائر في الله، ثم في رحم العلم، وما زال شيخنا يمطرني بوابل من الأدعية والترحيب ونحو نعرج في مصعد عمارته إلى الطابق الثامن، حتى أدخلني مجلسه الجميل.
مجلسٌ فسيح،  على يمينك جلسة بطرفين، وأمامها طاولة صغيرة، ازدحمت عليها الكتب وجهاز الشيخ، ويسارك أيضاً مجلس مختصر جميل، وبينهما وفي مقدّمة مجلس شيخنا محرابٌ الصلاة، قد حفّ به عامودان على هيئة ساريتين،  وسترت محرابه حامل المصحف، فوقه القرآن الكريم، ما أجمل هذه الحياة، وما أحلى هذا المنظر.
أخذنا في الحديث العذب عن بين الفقه والأصول والمقاصد الشرعية، ومفاهيم من الهداية والتقوى في القرآن الكريم، ومشاريع شيخنا فيها، ثم عطفنا الحديث ثانيةً على الفقه والمقاصد، فأفاض علينا بشأن ما سماه “حماية الفقه بالقاصد الشرعية”، وكيف أن العمق المعرفي بالمقاصد هو أداةٌ من أدوات الفقيه لفهم الأحكام وبنائها وتنزيلها على الوقائع، وأن العمق المعرفي والعلمي والواقعي جزء أساس في استيعاب المقاصد الشرعية، ومعيار صحيح للتطبيق والتنزيل الصحيح، وأثر هذا يظهر بجلاء حين ينشط في بلدٍ دون آخر استيعاب لهذه المفاهيم الكبيرة، تبعاً للعمق الفكري في هذه المدرسة عن تلك، ولأثر التجارب المتراكمة في هذه الناحية بخلاف تلك الناحية الأقل تجربة مع العالم المحيط بها، وهذا سبب مؤثر في إدراك أهميّة علم المقاصد ودوره في خدمة الفقيه لبناء الأحكام والتعامل مع الواقع، وحماية الفقه بالمقاصد.
زاد شيخي إيضاحاً فقال: أرأيت مسألة كذا وكذا، كنت ممن يقول لبعض العلماء في مدارسات خاصة: قيّدوا الحكم بالمقاصد الشرعية، افهموا المسألة على ضوئها، ثم ابنوا حكمكم عليها من خلال هذا الفهم الدقيقة، وهذه الأداة القويّة للفقيه، قولوا باعتبار الضرورة، ثم بيان الضوابط الشريعة من حيث السن، والزمان والمكان، في والبلد أم في خارجه، …. قبل أن يأتي اليوم الذي يوطأ فيه على الفقه وأهله فلا تعتبر مصالحٌ  ولا تدرأ مفاسد، ويكون الحبل على الغارب، فتضيع عليكم الدائرة… وهذا ما حدث!.
ثم استجرنا الحديث حول مقارنةٍ لراي الشيخ فيما سمعه وما رآه في بلدنا، كيف كان وقد درّس فيه أربع سنوات تقريباً؟
فقال أنا أحدّثك بحديث ظريف في هذا الشأن، فإني زرتُ مدينة …..، وسمعت أهلها من ناحية الاحتياط في المسائل والأخذ بالأشد كما تعلم، فحصل موقفٌ هزّ هذه القناعة شيئاً ما، ذلك أني في أول صلاة جماعة لي وكانت صلاة العصر، خرج علينا من مقصورة الإمام شابٌ يرتدي البدلة والقبّعة، وصلى بنا دون أي معارضٍ من الحاضرين، فعلمت أن الأمر قد اختلف في الناس شيئاً ما عمّا كان في الصورة الذهنية، والأخبار المنقولة.
طال بنا الحديث جداً، وقبل أن أنهي مجلسي مع شيخي قلت له مستخرجاً سرّ ما رأيته: شيخي، هذا المجلس الأيمن والمجلس الأيسر، وبينهما محراب الصلاة! فما قصّة المحراب في هذا المكان؟
تبسّم الشيخ ابتسامة أجابت عن كل شيء، ثم قال بقلب غشيته السكينة: نعم، الصلاة هي الطريق، فأنا أبتدئ مجلسي هنا على أوراقي وبحوثي بالصلاة، ثم أسلو عن نفسي حتى يأخذ من التعب نصيبه فأجدد نشاطي بالصلاة، وأحياناً يمضي علي الليل وأنا بين أوراقي ومطالعاتي وسلطان النوم يأخذ الأجفان، فأستعين عليه بركعتين، وأختم ليلتي بصلاة الليل.. يا بني، إن الصلاة هي الطريق.
ودّعت شيخي، وعباراته مازالت ترن في أذني، ولو لم يكن من هذه الرحلة إلا هذا الجزء التربوي الروحاني، رأيته بعيني، وأبصرت أثره في شيخي، فرحيق حديثه عن الصلاة يبعث في النفس طمأنينة عجيبة، وسكينة غريبة، فـ”الصلاة هي الطريق”.
هذا طرف خبر لرجل جمع بين العلم والعمل، فكان ينظر بنور الله، ويعمل بهداياته، ويستعين على دنياه وآخرته بالصلاة.
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ”
 

تمت في الرياض
1445-05-04 هــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top