نظرية الملكية في الإسلام وموقعها بين الرأسمالية والاشتراكية [1]


تُعدّ الملكية من القضايا المركزية التي ترتبط بتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إذ ينبني عليها تحديد علاقة الإنسان بالمال، وبيان حدود سلطته في الانتفاع به والتصرف فيه، كما تتصل بها جملة من الحقوق والواجبات التي تؤثر في حياة الأفراد والمجتمعات. وقد تباينت التصورات الفكرية والاقتصادية في معالجة هذه القضية، فظهرت نظم توسعت في حماية الملكية الفردية، وأخرى اتجهت إلى الحد منها أو إلغائها، بينما قدّم الإسلام تصورًا خاصًا للملكية يقوم على أسس شرعية محددة.

وقد عُرِّف الملك بتعاريف متعددة، ومن أوضحها ما ذكره الفقيه مصطفى الزرقاء بقوله: «اختصاص حاجزٌ شرعًا يسوغ صاحبه التصرف فيه». ويظهر من هذا التعريف أن الملكية ليست شيئًا ماديًا في ذاتها، وإنما هي حق اختصاص يثبت لصاحبه، يترتب عليه الانفراد بالاستعمال والاستغلال والتصرف، مع منع غيره من مزاحمته في ذلك إلا بإذنه.

وتقوم نظرية الملكية في الإسلام على احترام حقوق الناس في أموالهم وممتلكاتهم، مع تأصيل الأسباب التي تنشأ بها الملكية أو تنتقل من شخص إلى آخر، وترتيب الآثار الشرعية المترتبة على ذلك. فإذا ثبت سبب الملكية الشرعي، ثبت لصاحبه حق التصرف في ملكه واستقلاله به دون غيره.

وقد ذكر الفقهاء أن أسباب الملكية ترجع في الجملة إلى أربعة أسباب رئيسة:

أولها: إحراز المباحات، ويُعبَّر عنه أيضًا بالاستيلاء على المباح، وهو المال الذي لم يسبق لأحد تملكه، ولا يوجد مانع شرعي من تملكه، كصيد البر والبحر، وإحياء الموات بشروطه، وحيازة الكلأ، واستخراج الركاز ونحو ذلك.

وثانيها: العقود الناقلة للملكية، وهي أكثر أسباب الملكية وقوعًا بين الناس، ومن أمثلتها البيع والهبة والأعطيات والجعالة والشفعة في المال المشاع بشروطها، وما شابه ذلك من التصرفات التي يترتب عليها انتقال المال من مالك إلى آخر.

أما السبب الثالث فهو الخلفية: وهي نوعان: خلف خاص وخلف عام. فالخلف الخاص هو من يتلقى حقًا معينًا بالذات كان قائمًا في ذمة سلفه ثم انتقل إليه، وهذا المعنى يدخل في العقود الناقلة للملكية. وأما المقصود هنا فهو الخلف العام، وهو من يخلف غيره في ذمته المالية كلها كالوارث. ومن ثم كان الميراث سببًا مستقلًا من أسباب الملكية، يثبت بحكم الشرع دون توقف على اتفاق أو وصية، ولذلك قرر الفقهاء أن الإرث جبري لا يتوقف على قبول الوارث، ولا يرتد برده، ولا يتأثر بقصد المورث حرمان ورثته أو بعضهم من التركة.

والسبب الرابع: التولد من المملوك، ويعبر عنه الفقهاء بالنماء المنفصل، وهو ما يتولد عن المال المملوك ويكون فرعًا عنه، فيثبت فيه الملك تبعًا لأصله.

ومن خلال هذه الأسباب يتبين أن الملكية في التصور الإسلامي ليست مجرد سلطة واقعية على المال، وإنما حق شرعي ينشأ بأسباب محددة، ويترتب عليه اختصاص صاحبه بالتصرف والانتفاع والاستغلال.

ومع ذلك، فإن الملكية في الإسلام ليست حقًا مطلقًا مجردًا من الالتزامات، بل تتعلق بها حقوق واجبة للغير متى تحققت أسبابها. فمن وجبت عليه الزكاة بشروطها لزمه إخراجها، كما أن للحاكم في بعض الأحوال أن يتدخل لحفظ الحقوق ورد المظالم، كحال المفلس أو المدين المماطل ونحو ذلك. وبذلك تجتمع في الملكية الإسلامية حماية حق الفرد في التملك والتصرف، مع مراعاة الحقوق الواجبة المتعلقة بهذا المال.

وفي مقابل هذا التصور، تقوم نظرية الملكية في النظام الاشتراكي على أساس محاربة الملكية الفردية، والقول بشيوعية الأموال وإلغاء الوراثة. وقد ارتبط هذا التصور بالفكر الماركسي الذي يرى أن وسائل الإنتاج ورأس المال ينبغي أن تكون مملوكة للدولة، وأن التأميم هو الوسيلة لتحقيق ذلك. ووفق هذا التصور تنتقل الملكية من الأفراد إلى الدولة، فتغدو هي المالك الحقيقي للموارد الاقتصادية ووسائل الإنتاج.

ومن آثار هذا التصور أن وسائل الإنتاج الكبرى كالأراضي الواسعة والمصانع والمناجم ومصادر الطاقة تُجعل ملكًا عامًا للدولة، فلا يثبت للأفراد فيها حق التملك الخاص، وإنما يكون لهم حق الانتفاع أو العمل فيها وفق السياسات الاقتصادية التي تضعها السلطة العامة. وقد عُدَّ هذا الأصل من أبرز السمات التي تميز النظرية الاشتراكية في الملكية عن غيرها من النظم الاقتصادية.

وقد رأى العالم في الواقع أن التطبيق العملي لهذا النظام أظهر عددًا من الإشكالات، من أبرزها منعه الملكية الفردية، وإلغاؤه الإرث، وتقييده حرية الفرد في العمل والتصرف في ناتج عمله، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية، كما أن ربط النشاط الاقتصادي بالتخطيط المركزي للدولة أدى في كثير من التطبيقات الاشتراكية إلى تقليص الحوافز الفردية على الإنتاج والاستثمار، لضعف الصلة بين الجهد المبذول والعائد المالي المباشر، وهو ما عده عدد من الباحثين من التحديات التي واجهت الاقتصادات الاشتراكية في واقعها العملي.

أما النظام الرأسمالي، فإنه يقوم على توسيع دائرة الملكية الفردية والمحافظة عليها، وربط النشاط الاقتصادي بحرية الأفراد في الإنتاج والتملك والتصرف، وهي بذلك تزيد فقر الفقير وغنى الغني، وقد ارتبط تأسيس هذا النظام بعدد من الفلاسفة والاقتصاديين الغربيين، من أشهرهم جون لوك وآدم سميث.

ومن أبرز معالم الملكية في التصور الرأسمالي أن دور الدولة يقتصر – في الأصل – على حماية الأفراد وممتلكاتهم والدفاع عن البلاد، مع الحد من تدخلها في النشاط الاقتصادي، ويقوم هذا التصور على اعتبار الملكية الخاصة حقًا أصيلًا للفرد، ومن ثم تُمنح حرية واسعة في تملك الأموال واستثمارها والتصرف فيها، ما دام ذلك واقعًا ضمن الإطار القانوني الذي تقرره الدولة، وهو ما جعل الملكية الخاصة المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي في النظام الرأسمالي.

 كما أن هذا النظام لا ينظر إلى أسباب التملك من المنظور الشرعي الإسلامي الذي يعتبر معايير قويّة لأسباب التملك المشروعة، وفيها بروز للجانب الأخلاقي والقيمي كبير، ولذلك لا يعدّ النظام الرأس مالي بعض الأسباب الممنوعة شرعًا مانعًا من صحة التملك أو اكتساب المال. والواقع يشهد أن هذا التوسع في الحرية الاقتصادية قد أفضى إلى تنامي النزعة الفردية، واتساع الفوارق الاقتصادية بين أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب الدخول المحدودة، كما أنه يفتح مجالًا لممارسات احتكارية تؤثر في حركة السوق والمستهلكين.

كما أن تراكم رؤوس الأموال في أيدي الشركات الكبرى قد يؤدي إلى تركز القوة الاقتصادية في عدد محدود من المؤسسات، الأمر الذي ينعكس على مستوى المنافسة في الأسواق، ويجعل قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على المنافسة أكثر صعوبة في بعض القطاعات الاقتصادية.

ومن خلال هذه النظرة السريعة يتضح أن نظرية الملكية في الإسلام تقوم على الاعتراف بحق الفرد في التملك والتصرف، مع ربط هذا الحق بأسباب شرعية محددة، وإحاطته بجملة من الالتزامات والحقوق التي تحقق التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع. كما يتبين أنها نظرية مستقلة في أسسها ومقاصدها، تختلف عن التصور الاشتراكي الذي يتجه إلى تقليص الملكية الفردية أو إلغائها، وعن التصور الرأسمالي الذي يوسع نطاقها إلى حد كبير، لتقدم تصورًا يجمع بين حماية الملكية الخاصة ومراعاة الحقوق العامة في آن واحد.


[1] مقالة مختصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top