ابن زيدون الأندلسي شاعر الرّقة والفصاحة (394هـ – 463هـ) (2)

سبتمبر 1, 2025

/

يزيد السعيد

لا أخالُ أبا الوليد إلا عاكفاً هجيراه مردداً قول الأول: ويلٌ للشجي من الخلي!
أو متنهداً يتمتم قول أبي الطيب: 

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها

أترى قد خُطَّ في لوح الله جل وعلا أن يكون قدر العاشق الوفي مع المعشوق الخليِّ؟ أم كان من مكر إبليس على عباد الله أن يحيك ما يؤذي به الصادقين الأوفياء، فهم في توجّعٍ وألم، ونحولٍ وسقم، ولم يدرِ معشوقهم بذلك شيئا.
كلف أبو الوليد بولادة عشقاً، وملأت قلبه بكل حُجراته، فبثّ إليها النجوى، وأنشدها شجوا، فأين وفاء طويلة الجيد، بيضاء الجيب؟ أتراها خلقت من طينة الجفاء؟ أم كانت تلتذُّ بالصد مرات والوصل هنيهة، ومُحبها باقٍ يزيدها تلحيناً من منتخب معانيه وأبياته.
لا غرو إذن أن يكون العاشق العفيف شهيداً في الثواب – بإذن الله – فهم يقتلون مراراً بسيوف اللحاظ، يتشحطون في دماء مشاعرهم، وقاتلهم لا يزيدهم إلا وبالا.
وهل أحدٌ أشد على العاشق من عاذلٍ يتحيّن له سقوطاً؟ فكيف إن كان ذا سطوة وقدرة، فهو يشتد على غريمه ليزيده بلاء على بلائه.
لقد نشأ أبو الوليد وهو شيخ العاشقين والشعراء في وقته، فكان المقدَّم في مجلس الأدب، السابق في ميدان الشعر، حتى تعلّم منه وزراء وشعراء وأدباء ما كانوا إلا صنيعة يده في الأدب والشعر.
ساعدت الأيام أبا الوليد فجرى ما بينه وبين ولادة في بداية أمره على حسن منادمة، وليالٍ صافية، ومجلس حافل بالمسرّة، عامر بالحب، ينشدها وتستحسن حلو غزله، ويرقبها فتتغنّج له، وتعلو خدّها حمرة الخجل، وتدِلُّ عليه دلالاً رقيقًا، وليست الخمر أفتك بالعقل من لذّة المنادمة للمحبوب.
ومن لم يعشق رأى النساء كالسواء، فإذا هو عرف لوعة الحب وحرارة العشق رأى في النساء غير ما كان يرى، وأصبحن أدلة على صفات الجمال الذي في قلبه كما قال الرافعي.
ما جالَ بَعدَكِ لَحظي في سَنا القَمَرِ             إِلّا ذَكَرتُكِ ذِكــرَ العَــينِ بِالأَثـــَرِ
                   وَلا اِستَطَلتُ ذَماءَ اللَيلِ مِن أَسَفٍ           إِلّا عَلى لَيلَةٍ سَرَّت مَعَ القِصَرِ         
                   ناهيكِ مِن سَهَرٍ بَرْحٍ تَأَلَّفَهُ               شَوقٌ إِلى ما اِنقَضى مِن ذَلِكَ السَمَرِ       
                   فَلَيتَ ذاكَ السَوادَ الجَونَ مُتَّصِلٌ               لَو اِستَعارَ سَوادَ القَلبِ وَالبَصَرِ

أما ذاتُ القد الجميل والأدب الجليل معشوقة شاعر قوي رقيق، فلا تسل عن ليلة قد تكاملت أركانها، وتجمّعت أسبابها، كيف كانت وكيف تجلّت وتقضّت، فقد اكتملت في عين أبي الوليد خصال محبوبته، برجاحة عقلٍ، وأدب جزل، وجمال باهرٍ، وعَرفٍ أخّاذ، وهي بنت خليفة، ذات المال والحسب والنسب الجليلين، فمن أين ينفذ النقص؟  

ولله أبو الوليد ما أعلى كعبه في الحب، فلم يرضَ إلا بالرفيعة العالية من النساء، فكان تعب قلبه من علو مراده.

لكن؛ من ذا الذي سامحه الدهر، وتغافل عليه الزمان فسالمته الأيام؟ تكشّفت غُرر الأيام مسرعةً لتطوي صفحة الوصال، وتشد حبل المسرّة فتقدّه بسكين الهجر، وأضحى الليل ليلين على قلب أبي الوليد، فتنكّرت له الدنيا بتنكّر ولادة له، وأين ذلك الحب؟ أم أين تلك الليالي الصافية؟ طوتها الأيام طي الكتاب، وليس لحكم الأيام نقض.

ثم كانت ثالثة الأثافي، إذ بدّلت ولادة بأبي الوليد ابن جهوَر غريمه بعد أن كان صديقه، وشانئه بعد أن كان قريبه، فما أعجب الأيام وما كانت تحمل في بوادرها مما لم يجرٍ في فكر وفيّ شجيّ.
حسر الزمان لثامه وقلب بيض أيامه حوالكاً سوداً، فكان أقل ما فيها سّفُّ الريح التُربَ على تلك المشاعر، وهجير الهجر يلهبُ قلب أبي الوليد، فلا تسل عن ياسٍ بعد أمل، فسنّة الحياة أغلب، ومن غالب الأيام غُلب، وأبو الوليد يتعزّى عن مصيبته بقوله:

ما على ظنّي باسُ يجرح الدهر وياسُ
رُبَّما أَشرَفَ بِالمَر ءِ عَلى الآمالِ ياسُ

وَلَقَد يُنجيكَ إِغفا لٌ وَيُرديكَ احتِراسُ
وَالمَحاذيرُ سِهامٌ وَالمَقاديرُ قِياسُ
وَلَكَم أَجدى قُعودٌ وَلَكم أَكدى التِماسُ
وَكَذا الدَهرُ إِذا ما عَزَّ ناسٌ ذَلَّ ناسُ

أنتجت محنة أبي الوليد ضاديته الخطيرة، عرض فيها نفسه بعزّةٍ وشموخ، ونفس كبيرة لا تهاب ما حمل القدر، فهو هزبر الشرى الذي أبى فامتعض، ولنا مع ضادية أبي الوليد وقفة في الجزء قادم.

تمت
الرياض العامرة
ليالي 1445

Scroll to Top