لا تلتفت !
مررت بتجربة مؤلمة بحق؛ علاقةٌ صدقتُ فيها، وبيني وبين صاحبها مواقفُ قُربٍ لا تكون لكل أحد، فعَرّت لي الأيام وهم ما ظننته يستحق الصدق، وعشت لياليها وأيامها، والألم يحزّ في نفسي ويزداد غورًا، وتتوالى عليّ احتمالات: ماذا لو لم يكن كذا؟ وكيف لو صنعتُ كذا؟ قائمةٌ لا يعود الزمن لاختبارها.
فكان الوجَع يتسع في داخلي، لا من الشعور وحده، بل من تأويلاته المسترسلة.
كنتُ أسلوّ عن ألمي، وأخفف من معاناتي ببث النجوى لصديق أستريح إليه، والله يعلم كيف يكون حالي بعد هذا البثّ، فلا حرمني الله منه، فقد برّح لي من السعة ما ضاق عنه صدري.
إلا أنه لم يزل يراودني طيف تلك المشكلة بين فترة وأخرى، لا شك أن وقعها قد خفَّ، ولكن ما استطعت أن أتجاوز التفكير فيها، وأوقف الاسترسال مع تفاصيلها.
امتدّ بي الأمر حتى صرت ألوم نفسي يومَ أن بدأتُ هذه العلاقة أصلاً، فمن صدقته في السر والعلن كان أكذب من السراب، وبانت خلائقه بعد أن جئته فلم أجده شيئاً..
وهكذا دواليك، حتى أخذتني لحظةُ إدراك، لحظةٌ تأخر مجيؤها سنتين أو أكثر، ولكنها جاءت، وبعض الإدراك يأخذ وقته ليزداد ثباتاً، ويمتدّ أصله رسوخا.
وقفت أمام نفسي، كأني شخصٌ آخر، وقلت بصوت عالٍ لم يتردد إلا في داخلي: بل الخير فيما قد جرى، صحيح أن الألم ما زال يفت في العضد، ولكن لولا ما جرى لما عرفت هذا الألم وأثره، ومعادن الناس تظهر بعد زمن، وهذه تجربة تضيف إلى عمري نتيجة صادقة، وخبرة صحيحة، والتجارب مطيّة الحياة.
ثم أليس هذا قدرٌ مكتوب، وأمر محتوم، ولا مفرّ من حقيقة الأيام، ولكن الرضا بلسم الآلام.
واليأس إحدى الراحتين، وقد يئست من تغيّر الحال، فلمَ لا أرتاح إلى ما انتهى إليه القدر؟ واليأس ليس هروباً، بل قبولاً جريئاً لحقيقة لم نُرِد تصديقها.
وتبيّن لي بحقٍ أني بالتفاتي لهذه الفكرة، واستتباع الألم لا أزيده إلا غوراً وعمقًا، وكم من المعاني المعلومة في الذهن لا تُظهر لك حقيقتها إلا التجربة الصحيحة.
ولمّا تكشّفت لي حقيقة هذه المشكلة من لفافاتها، وجدت أن الرضا عن الماضي يوقفه عن مطاردتك، وأن الآلام المتكررة من التجارب السابقة سببها أنّا لم نقنع بقدرنا، وبِتنا ساخطين عليها.
وكم كنت أظن أني أبحث عن مخرج من الألم، حتى أدركت أني كنت أُعيد إنتاجه كل مرة، وأسقيه بماء فكري وخواطري، وكثير من آلامنا ليست في الوقائع بقدر رفضنا لانتهائها.
ومن جرب التعافي بالرضا عن الماضي عاش بهناء، فبلسم الهموم الرضا عن القدر، ومضي الأيام يمحو آثار الزمن، وأما مطاردتها فترجعنا للوراء!
لم يذهب الألم، ولكن ناره قد خبت، وتبدّل حاله من مطاردٍ شرسٍ يرهقني، إلى ذكرى قديمة تعلّمني أن الرضا هو أول الدواء وأوسطه وآخره.
تمت في الرياض
03- ذو القعدة – 1447 هــ
علَّمتني الحياةُ أن أتلقّى
كلَّ ألوانها رضاً وقبولا
ورأيتُ الرِّضا يخفِّف أثقا
لي ويُلقي على المآسي سُدولا
والذي أُلهم الرِّضا لا تراهُ
أبدَ الدهر حاسداً أو عَذولا
أنا راضٍ بكل ما كتب الله
ومُزْجٍ إليه حَمْداً جَزيلا
جميل وآخر فقرتين عظمة..
ماشاءالله لا فض فوك وسلمت أناملك
مُبارك تطوير الموقع وجعله الله شاهداً لك فيما تقدم من رسائل مُلهمة تحاكي واقعنا وتروي تجاربك المثرية…
حيث وصلتني الرسالة بالتزامن مع قراءتي لمقالتك بعنوان رسالة الشباب والتي كُتبت في المجلة السنوية إذ أسهمت في تغيير بعض المفاهيم المتعلقة بتلك المرحلة وان السن ليس المقياس الأنسب لها وأن الروح الكامنة في الجسد هي الفيصل.
رائعه جدا
سلمك الله
*[ وجدت أن الرضا عن الماضي يوقفه عن مطاردتك، وأن الآلام المتكررة من التجارب السابقة سببها أنّا لم نقنع بقدرنا، وبِتنا ساخطين عليها.
وكم كنت أظن أني أبحث عن مخرج من الألم، حتى أدركت أني كنت أُعيد إنتاجه كل مرة، وأسقيه بماء فكري وخواطري، وكثير من آلامنا ليست في الوقائع بقدر رفضنا لانتهائها.]
أحسنت ..
أجدت وصف المشاعر .. ورصف الدواء ..
بـارك الله فـيـك .. وفي قلمك ..
“وكم كنت أظن أني أبحث عن مخرج من الألم، حتى أدركت أني كنت أُعيد إنتاجه كل مرة”
الله الله على هذا التعبير
جميل جدا ماشاء الله
مقال جميل، وأسلوب رائع، وبلاغة في وجازة ..
ولكن المضمون جد حزين ..
أزال الله عنا وعنك وعن كل مسلم كل حزن وهم ..
أعجبتني هذه الصورة والتعبير عنها :
“وقلت بصوت عالٍ لم يتردد إلا في داخلي”