قد تعجب يا صديقي إن بدأت لك مقالتي هذه برؤيا منام، ولكن دونك الخبر..
قبل أسبوعين من الآن رأيت في المنام رؤيا ملتبسة الأطراف، لا أعلم أين كانت أرضها، ولا متى انبسط زمانها، إلا أني أذكر من رؤياي وكأني راكب سيارةً في المقعد الخلفي، وأمامي صديقي “المنذر“، قد مضى العهد بيننا فجدّد لي الحلم رؤيته، كان ملتفتاً لي بابتسامة جميلة وأقول له: “ما تحس أننا كبرنا؟” فيقول: “بلى“..استيقظت من نومي لأجد أني قد تأخرت على الدوام، فمضيت وأنا مثقلٌ بهذا المنام العجيب، والسؤال الغريب “ما تحس أننا كبرنا؟” سؤال ضلّ يلاحقني، فأسترجع أسبابه، وأتأمل في المشهد لعلي أفهم بواعثه، فعادت بي الذاكرة لحديث جرى مع صديقي “محمد” كانت قبل شهر أو أزيد يقول لي: “ألا ترى أننا كبُرنا، ما عاد كل شيء يبهجنا، وحرارة المزاج بردت، والمستجدات طرأت…” هذا باعث الرؤيا إذن!إنه حديث نفس لا ريب، فسؤال صديقي محمد مازال يعتريني مرة بعد أخرى، أفكر فيه وأقلّبه، ها نحن الآن في الثلاثين، أليس من المبكّر جداً أن نستسلم لإحساس الأفول ونحن بعدُ في ضحى البزوغ؟ ألسنا شباباً، مازلنا في عنفوانه، نجمنا متوهّج، وشمسنا مشرقة، وطالعنا سعيد… ثم تأخذني شيباتٌ في فَودي ولحيتي كأنها رسلُ الزمن الخفية، فأقول: “إي والله قد كبرنا“، لكن عن أي شيء؟ ومن أي شيء؟..فما معنى الشباب؟فزعت إلى أبي عبدالرحمن، رجلٌ حكيم، قارب السبعين، إلا أن له قلباً ينبض بالشباب، فحدثته برؤياي، وقلت: “لعلها حديث نفس، لكن هذا السؤال في الحقيقة ما زال يعاودني كل مدّةو…” فقطعني عن الحديث وقال: “خطأ أن تحس بهذا الشعور، أو أن تتبع هذا السؤال، أما الشباب فما زلت فيه عمراً، وأمامك الأيام بإذن الله، لكن الشباب شعور، فلا تشيخ في شبابك، فتنوء عن حمل حرارة الشباب، وتطفئها ببرودة المشيب”.صدق أبو عبدالرحمن، فالشباب في جوهره مِزاج روح لا تاريخ ميلاد.كم من الشباب في عمره لكن له قلباً قد شاخ وصدأ منذ سنين؟ فقد لذّة العيش، فما يشعر بنعمته، فصباحه الجديد ضيف ثقيل، يجدد أعباء حياته، ويزيد حُمالته، وليله كليل امرؤ القيس أرخى سدوله.. ولو قلّب المرء الأمر لعلم أن أجلّ نعمة على الإنسان أن يُمنح الحياة ذاتها، ثم يُمنح معها الوعي بها، لكن من يعقل هذا المعنى قليل، وأقل منهم من يستثمره.وقد كان من دعاء النبي ﷺ عند استيقاظه قوله: “الحمدلله الذي ردّ عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره“، فمن علم نعمة الحياة زاد شبابه، فالشعور بالنعمة يزيدها بركة، فكيف بشعور الشباب بنعمة الحياة الشباب؟ دعك من مقياس العمر وعد السنين، ولا تركن إلى نشاط وخفّة، وسلامة ومرض، فالشباب صفةٌ لا سن، فقد يكون المرء في زهرة أيامه، ولكن قلبه ذابل، ما عاد يرتوي من ماء الحياة، ولا تبهجه تعاقب الأيام، قد خوى فما عاد يستوي على سوقه، حاله تنبيك عن معاني حياته، فالشباب حالٌ لا عدد، وكيفٌ لا كمّ.أما السنون والأيام فأحسن أحوالها أن تكون علامةً، وقد تتخلّف الأمارة، فلا يمطر السحاب، ويجف الغصن وروضه خصيب..الشباب سجيّة، فحسن الرواء، وطيب الإقبال على الحياة، ومرح الفؤاد، وجمال المنظر أثر من مزاج الشباب، فالشباب نتيجة معانٍ نفسية، قبل أن تكون تركيبةً جسمية..والشباب جسارة، إرادة قوية، وعزم لا يلين، ترى الصعب سهلاً، وفي المجال متّسع، وفي العمر فرصة، واليوم خير من أمس، وغداً هبةٌ جديدة من الله، فكيف لا أنطلق؟الشباب وجدانٌ واتزان، فليس سفينة تلعب بها الأمواج، ولا على اليابسة خائرة القوى.. ولكنه شعورٌ صحيح، وثبات واتزان..الشباب مدى، فالأفق الواسع ساحة رحبة للعمل، وميدان فسيح للنجاح، وطريق طويل للاستمتاع، واستعداد للمستقبل، وخير ما يبني الشباب داره الأولى والآخرة..أما ذلك “الهرم النفسي” الذي يعتري المرء وهو في عنفوان شبابه فلعل له باعثين ظاهرين، وتتبعهما بواعث خفيّة…أولاهما: الهمّة المنصبّة على اللهو، فإذا رأى أن بعض ملاهيه ما عادت تتحقق كما كانت، أو هي لا تناسبه انكسر شبابه، وما علم أن المرض في قلبه من غلبة الهوى عليه..والثاني اليأس، وما رأيت أشد على المرء من اليأس، يحيل زهر الربيع غثاءً أحوى..ومن خفيِّ بواعثه أيضًا: الإرهاقُ الطويل، وامتحانُ المسؤولية، ومقارنةُ النفس بالآخرين حتى تذبل من غير أن تشيخ.ولو تَجسّد اليأس بشرًا، لكان كهلاً بليد الخطو، دميم الطلعة، ضيّق الأفق، لا يرى في الغد إلا ظلّ الموت. ومتى أردت أن تعرف موضعك من الشباب، فاسأل قلبك هل ما زال يرى في العمر متسعٌ لكل جميل؟، تفرح بصباحك، ينبض فؤادك بحب الحياة، والأمل، والفضيلة؟ هل ينشر شعاع الحب فيمن حوله؟ فهو يبعث على الأمل، ويزيد حماسة الناس للحياة..ذاكم هو الشاب، وإلا فلا..وأما صديقي المنذر، فأظنه كان يبتسم في منامي ليوقض فيّ معنى الشباب… وينذرني من شعور المشيب، فعليه من الله السلام.تمت الاثنين 07 شعبان 1447 هـ 26 يناير 2026 م