تغيّر قيمة العملة وأثره في الالتزامات المالية

تُعدّ مسألة تغيّر قيمة العملة من المسائل المالية التي برزت أهميتها مع انتشار العملات الورقية وازدياد معدلات التضخم في كثير من الاقتصادات المعاصرة. فالغالب أن الالتزامات المالية كالديون والقروض والمهور وسائر الحقوق المؤجلة، تُقدّر بمبالغ نقدية معلومة عند إنشائها، غير أن القيمة الشرائية لهذه المبالغ قد تتغير بمرور الزمن، فتفقد العملة جزءًا كبيرًا من قوتها الشرائية، الأمر الذي يثير تساؤلاً – وقد يثير نزاعاً – حول المقدار الواجب أداؤه عند الوفاء: هل يُكتفى برد المبلغ الاسمي المتفق عليه، أم تُراعى القيمة الحقيقية التي كان يمثلها عند نشوء الالتزام؟
اختلف الفقهاء في المسألة على أقوال:
القول الأول: وجوب رد المثل، وهو المقدار الاسمي للعملة دون التفات إلى ما يطرأ على قيمتها من ارتفاع أو انخفاض، وهو قول أئمة المذاهب الأربعة وجمهور أصحابهم[1]، قال ابن قدامة: “المستقرض يرد المثل في المثليات، سواء رخص سعره أو غلا، أو كان بحاله“[2]، كما اختار مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذا القول في قراره رقم (42) الصادر في دورته الخامسة بالكويت[3]، واللجنة الدائمة للإفتاء[4]، حيث قرروا أن الأصل في الديون أن تُرد بالمثل.
واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، ووجه الاستدلال أن النص ربط الوفاء بالمقدار المسمى والمحدد، مما يدل على اعتبار المثل عند الأداء، و”لأنّ غلو قيمته أو نقصانها لا يسقط المثل عن ذمة المستقرض فلا يوجب المطالبة بالقيمة“[5]، والزيادة على المثل أو النقصان عنه رباً لا يجوز شرعاً، واستقرار المعاملات المالية يقتضي الالتزام بالمقادير المتفق عليها ابتداءً، لأن فتح باب تعديل الديون تبعاً لتقلبات القيمة قد يؤدي إلى منازعات واسعة واختلافات يصعب ضبطها.
ونوقش بأن تطبيقه في حالات التضخم اليسير أو المعتاد لا يثير إشكالاً كبيراً، أما إذا تعرضت العملة لانخفاض شديد أفقدها جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية، فإن الاقتصار على رد المثل الاسمي قد يفضي إلى إلحاق ضرر ظاهر بالدائن، ويؤدي حقيقةً إلى انتقاص حقه.
القول الثاني: وجوب رد القيمة الحقيقية للعملة عند حدوث تغير في قوتها زيادةً أو نقصاً، واختاره أبو يوسف، وهو معتمد مذهب الحنفية، قالوا: “لأنه مضمون بالبيع فتعتبر قيمته في ذلك الوقت كالمغصوب“[6]، ونسبه في البهوتي لشيخ الإسلام بن تيمية قال: “فإذا أقرضه أو غصبه طعامًا فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصًا فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل“[7]، فالاعتماد في العملة بما تمثله من قيمة مالية حقيقية وقت نشوء الالتزام.
وقد اختار هذا الاتجاه عدد من الباحثين والفقهاء المعاصرين[8]، والشيخ د. محمد بن سليمان الأشقر،[9] واختار د. عجيل النشمي “القيمة في الرخص والغلاء، إذا كان كثيرا، ووقت تقدير القيمة في القرض يوم القبض، وإن كان بيعا فنختار رأي سحنون في الكساد بأن يرجع إلى قيمة السلعة يوم دفعها بالسكة الجديدة”[10]، ورجحه د. نزيه حماد[11].
ووجهوا هذا القول بأن مقصود الشريعة في تحقيق العدل يمنع من إهدار حق الدائن بسبب انخفاض قيمة العملة انخفاضاً فاحشاً، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾، وبحديث: «لا ضرر ولا ضرار». ووجه الاستدلال أن إلزام الدائن بقبول مبلغ فقد قيمته يؤدي إلى إلحاق ضرر ظاهر به، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ الأموال ومنع الظلم.
القول الثالث: التفريق بين التغير اليسير والتغير الفاحش، فلا يحكم برد المثل على إطلاقه، ولم يجعل القيمة الحقيقية هي الأصل في جميع الأحوال، ونسب إلى الرهوني من المالكية.
ويقوم هذا القول على أن النصوص الدالة على رد المثل تُعمل في الأحوال المعتادة التي لا يترتب عليها ضرر ظاهر، أما إذا بلغ الانخفاض في قيمة العملة حدّاً استثنائياً ترتب عليه اختلال بيّن في التوازن المالي بين الطرفين، فإن مقتضى العدل ورفع الضرر يقتضي مراعاة القيمة عند الوفاء.
ويجد هذا الاتجاه ما يسنده في طبيعة الواقع الاقتصادي نفسه؛ إذ إن التغيرات النقدية ليست على درجة واحدة، بل تتفاوت بين تقلبات محدودة تدخل في نطاق المعتاد، وبين انهيارات أو انخفاضات حادة تؤثر تأثيراً جوهرياً في الحقوق المالية. ومن ثم فإن التسوية بين الحالتين قد لا تحقق المقصود الشرعي من حفظ الحقوق واستقرار المعاملات في آن واحد.
القول الرابع: التفريق بين ما إذا كان المدين مماطلاً في أداء الحق الذي عليه أو غير مماطل، فإن كان مماطلاً ونشأ عن مماطلته تغير قيمة العملة فإن الواجب عليه رد القيمة يوم السداد، لأن ما نقص على صاحب الحق من نقصٍ في السعر أو فوات منفعة كان بسبب المطل والظلم، فاتجه القول بتضمين المماطل، واختار هذا القول من المعاصرين الشيخ عبدالله بن منيع، ومحمد الحاج الناصر[12] وغيرهم.
وعند النظر في هذه الاتجاهات الفقهية يظهر للقارئ قوّة دليل ومأخذ كل قول منها، وقوّة الخلاف في المسألة توقّف بعض الفقهاء عن الترجيح فيها[13]، والذي يظهر أن الاتجاه القائل بالتفصيل بين الأحوال يجمع بين المعاني التي استند إليها كل من الفقهاء؛ فهو يحافظ على الأصل المقرر في الديون، وهو رد المثل، ويمنع في الوقت نفسه من وقوع الضرر البالغ الذي قد ينشأ عن التغير الفاحش في قيمة العملة، وهو أقرب للقول الثاني من القول الأول، وفيه مراعاة الواقع الاقتصادي المتغير دون الإخلال باستقرار المعاملات المالية.
غير أن نجاح هذا المسلك في التطبيق العملي يظل مرتبطاً بوجود معايير واضحة يمكن من خلالها التمييز بين التغير المعتاد والتغير الفاحش في قيمة العملة، وهو ما يستدعي الرجوع إلى المختصين في الشؤون الاقتصادية، وإلى الهيئات الشرعية المعنية بتقدير هذه المسائل وضبطها.
ويبقى تحديد تلك المعايير من أهم المسائل التطبيقية المرتبطة بالموضوع؛ إذ إن ضبط مفهوم التغير المؤثر في قيمة العملة يسهم في تقليل النزاعات وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار والعدالة في المعاملات المالية المعاصرة.
والله أعلم.
[1] حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 4/142، 143، مجمع الأنهر 2/121، الزرقاني علي خليل: 5/60، قطع المجادلة: 1/97كشاف القناع 8/137.
[2] المغني 6/441.
[3] مجلة المجمع العدد الخامس 5/1845، القرار رقم: 42 (5/4).
[4] فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء، المجموعة الأولى 14/154.
[5] المنح الشافيات 1/441.
[6] مجمع الأنهر 2/121.
[7] المنح الشافيات 1/443، وهو اختيار أئمة الدعوة النجدية انظر الدرر السنية 5/110-112، وهو ما نسبه وقرره الشيخ محمد بن إبراهيم، انظر فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 7/205.
[8] انظر نتيجة بحث محمد علي حسين الحريري، مجلة البحوث الاسلامية40/333و344.
[9] النقود وتقلب قيمة العملة محمد الأشقر، مجلة مجمع الفقه الإسلامي 5/1274
[10] تغير قيمة العملة في الفقه الإسلامي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي 5/1251.
[11] انظر: تغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي.
[12] انظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي 5/1418، و5/1779.
[13] منهم الشيخ د. عثمان شبير في كتابه المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي 173.
