حالات إنهاء وفسخ العقد في نظام المعاملات المدنية

الناظر في نظام المعاملات المدنية السعودي يجد أن إنهاء العقد أو فسخه لا يجري على صورة واحدة، ولا ينبني دائماً على سبب واحد؛ فقد يكون برضا الطرفين، وقد يقع بإرادة منفردة مستندة إلى شرط، وقد يحتاج إلى حكم قضائي عند الإخلال بالالتزام، وقد يقع بمقتضى اتفاق عقدي سابق يمنح أحد الطرفين حق الفسخ عند تحقق الإخلال. وهذه الصور وإن اتحدت في الأثر العام، وهو إنهاء الرابطة العقدية، إلا أنها تختلف في مصدر الحق، وطريقة استعماله، ومدى الحاجة إلى الإعذار أو الحكم القضائي.

وقد عالج نظام المعاملات المدنية هذه الصور في المواد المتعلقة بفسخ العقد وانفساخه، ومنها المواد 105 و106 و107 و108 وتفصيلها فيما يلي: 

الحالة الأولى: الإقالة: 
المادة 105:


الإقالة هي إنهاء العقد باتفاق الطرفين بعد إبرامه وقبل انقضاء مدته. ومحلها أن يكون العقد قائماً، ثم يتراضى المتعاقدان على حلّه، فينتهي العقد لا بقوة القضاء، ولا بإرادة أحدهما وحده، وإنما بتلاقي إرادتين كما نشأ العقد ابتداءً بتلاقي إرادتين.

وهذه الصورة هي أصفى صور الإنهاء الرضائي؛ لأن الطرفين لا يتخاصمان في أصل الحق، ولا يدعي أحدهما إخلال الآخر، بل يتفقان على الرجوع عن العقد أو إنهائه في كله أو بعضه. وبحسب المادة 105، للمتعاقدين أن يتقايلا العقد برضاهما في المحل أو في بعضه، وتطبق على الإقالة شروط العقد.  

ومثال ذلك: أن تبرم شركة عقد توريد أجهزة مكتبية مع مورّد لمدة سنة، وبعد مضي ثلاثة أشهر يتبين للطرفين – لأي سبب كان – أن استمرار العقد غير ملائم لهما تجارياً، فيتفقان كتابةً على إنهاء العقد من تاريخ محدد، مع تسوية المستحقات الناشئة قبل هذا التاريخ.
فهذه إقالة صحيحة بل ومشروعة، وأصلها في الشريعة قوله ﷺ : (مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ) رواه أبو داود.

الحالة الثانية: خيار الشرط: 
المادة 106:


خيار الشرط صورة مختلفة عن الإقالة؛ لأنه لا يقوم على اتفاق لاحق بين الطرفين، وإنما على حق مقرر سابقاً في العقد، يجيز لأحد المتعاقدين أو لكليهما أن يعدل منفرداً عن العقد خلال مدة أو وفق قيد متفق عليه. ولهذا يقع استعمال الخيار بالإرادة المنفردة، ولا يحتاج إلى إعذار، وإنما يلزم فيه إعلام المتعاقد الآخر بالعدول عن العقد حتى تترتب آثاره.

فالفسخ هنا لا يفتقر إلى دعوى قضائية ابتداءً؛ لأن الحق في الفسخ مستمد من الشرط ذاته، لا من تقدير القاضي للإخلال. 
وقد تُقام دعوى لاحقاً لإثبات وقوع الفسخ وإعمال آثاره، ويكون الحكم في هذه الحالة كاشفاً لا مقرراً؛ فيكشف عن تحقق الفسخ بناءً على استعمال الخيار، ولا ينشئ حق الفسخ من جديد.

ومثال ذلك: أن يبرم شخص عقد شراء سيارة، وينص العقد على أن للمشتري خيار العدول خلال ثلاثة أيام من تاريخ التوقيع. 
فإذا أخطر المشتري البائع خلال المدة بأنه عدل عن العقد، وقع الفسخ استناداً إلى خيار الشرط، من غير حاجة إلى إعذار البائع، لأن المسألة ليست إخلالاً من البائع، وإنما استعمال لحق مشروط اتفق عليه الطرفان.

الحالة الثالثة: الفسخ القضائي للإخلال بالالتزام:
المادة 107:


الحالة الثالثة هي الصورة الشائعة في العقود والمنازعات العملية؛ إذ يكون العقد ملزماً للجانبين، ثم يخل أحد الطرفين بالتزامه، ولا يوجد في العقد نص يجعل الفسخ واقعاً مباشرة دون حكم قضائي. 
ففي هذه الحالة يكون الطريق هو الفسخ القضائي وفق المادة 107، فيلزم الطرف الذي يريد الفسخ أن يرفع دعوى أمام المحكمة، ويطلب الحكم بفسخ العقد بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزامه.  

الأصل في هذه الصورة أن الفسخ لا يقع بمجرد رغبة الدائن، ولا بمجرد حصول الإخلال، بل يحتاج إلى حكم قضائي؛ والقاضي يقدّر الإخلال، وأثره، ومدى كفايته للفسخ. ولذلك يكون الحكم هنا مقرراً للفسخ لا كاشفاً عنه؛ لأن الرابطة العقدية لا تنحل في هذه الصورة إلا بالحكم الصادر من المحكمة.

وهل يلزم وجود الاعذار أم لا؟ 
الأصل لزوم الإعذار، ويثبت الاعذار بأي وسيلة تؤدي غرضه، وقد جعل النظام من أدوات الإعذار إقامة الدعوى القضائية ذاتها، حيث قررت المادة 177 أن الإعذار يكون بأي وسيلة متفق عليها بين المتعاقدين، أو بأي وسيلة مقررة نظاماً للتبليغ، بما في ذلك رفع الدعوى أو أي إجراء قضائي آخر.  

ومثال ذلك: أن يبرم مالك أرض عقد مقاولة مع مقاول لبناء منزل خلال عشرة أشهر، ولا يتضمن العقد شرطاً يجيز للمالك فسخ العقد تلقائياً عند التأخر. 
ثم يتوقف المقاول عن العمل مدة طويلة من غير سبب مقبول. 
فلا يجوز للمالك تقرير فسخ العقد، بل عليه أن يسلك طريق الفسخ القضائي، فينذر المقاول بالاخلال، أو يتقدم بدعواه، وتقدّر المحكمة الإخلال، فإن رأت موجبه حكمت بالفسخ.

رابعاً: الفسخ العقدي للإخلال بالالتزام:
المادة 108:


إذا نصّ العقد على حق أحد الطرفين في فسخ العقد عند إخلال الطرف الآخر، دون الحاجة إلى حكم قضائي فيصح الفسخ حينئذ.
وهذه الحالة تختلف عن الفسخ القضائي في أن مصدر الحق هنا هو الاتفاق العقدي السابق، وليست السلطة التقديرية للمحكمة ابتداءً.  

ومع ذلك، فهذه الصورة لا تعني أن الفسخ يقع دائماً بلا إجراء ولا إخطار؛ إذ يشترط الإعذار، إلا إذا نص العقد على الإعفاء منه. 
وقد تقام دعوى لاحقة لإثبات هذا الفسخ وإعمال آثاره، ويكون الحكم في هذه الحالة كاشفاً لا مقرراً؛ لأن الفسخ وقع استناداً إلى الشرط العقدي، لا إنشاءً بحكم المحكمة.

مثال ذلك: أن ينص عقد توريد بين شركتين على أنه “إذا تأخر المشتري عن سداد أي دفعة مستحقة مدة ثلاثين يوماً، فللمورّد فسخ العقد”. فإذا تأخر المشتري عن السداد، قام المورّد بإعذاره، ثم أعلن فسخ العقد استناداً إلى الشرط. 
فيكون الفسخ عقدياً، ولا يحتاج ابتداءً إلى حكم قضائي، لكن قد يضطر المورّد إلى إقامة دعوى لإثبات الفسخ والمطالبة بآثاره.

أما إذا نص العقد صراحةً على أن الفسخ يقع “دون حاجة إلى إعذار”، كما لو ورد فيه: “للمورّد فسخ العقد عند تأخر المشتري عن السداد مدة ثلاثين يوماً دون حاجة إلى إعذار أو إنذار”، فإن الإعذار لا يكون لازماً بحسب الشرط المتفق عليه، مع بقاء مسألة إثبات تحقق سبب الفسخ قائمة عند النزاع.
وعليه:
فالفارق الجوهري بين هذه الصور الأربع أن الإقالة تنشأ من اتفاق الطرفين مجتمعين لاحقاً للعقد، وخيار الشرط ينشأ من حقٍ مقرر في العقد بإرادة منفردة.
وأما الفسخ القضائي فينشأ بحكم المحكمة عند الإخلال، بخلاف الفسخ العقدي الذي ينشأ من شرط سابق في العقد يقرر لأحد الطرفين، ويربط حق الفسخ بشرط الإخلال.

ولهذا ينبغي عند دراسة أي ملف فسخ ألا يبدأ المحامي بالسؤال: هل وقع إخلال؟وإنما السؤال: ما مصدر حق الإنهاء؟ هل هو رضا الطرفين؟ أم خيار شرط؟ أم إخلال يحتاج إلى حكم؟ أم شرط فسخ عقدي يغني عن الحكم القضائي؟

والخطأ في التكييف مؤثر في النتائج؛ فقد يتقدم المحامي بدعوى فسخ قضائي مع أن موكله يملك فسخاً عقدياً، أو يظن أن مجرد الإخلال يكفي للفسخ مع أن العقد لا ينحل إلا بحكم، أو يتعامل مع خيار الشرط كأنه إخلال يحتاج إلى إعذار، فتضيع المدد وتختل الطلبات.

الرياض العامرة
حرر في 18 محرم 1448

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top