كم بين أن تسمع بالشيء وبين أن تبصرهُ ويضوع عليك من عبيره وطيبه من أفق بعيد، إنها رحلة صعود باهرة، فالعروج إلى مراقي منزلة عين اليقين رحلة مدهشة لمرتبة سامقة، تطير عندها العبارات، وتنتهي لديها الإشارات، فما أبعد ما بين حديثٍ يطرق السمع، وحقيقةٍ تلامس الروح. أكرمني المولى بزيارة ما ظننت أن تكون لشيخ عرفته من كتبه ومؤلفاته، هو مستودع للفوائد والفرائد، جمّاعةٌ للغرر، محقق مدقق، أحببته ولم أعرفه، لكن من كتبه كنت أرى جماله، وأستشفُّ أثير خوافيه، فهمته العالية أنتجت بفضل الله أكثر من مئة كتاب بين مؤلف وجمع وتحقيق، ورسائل لطيفة في مبانيها، جليلة في معانيها، فما أحسن أثر أهل العلم في الناس، وما أقبح أثر الناس فيهم! كنت أحدث نفسي بلقائه، لكن لم أعرف سبيل الوصول إليه، وتأخذني الأيام في غمرتها فيخبو ذلك الأمل ثم يشتعل، والأيّام قُلّبٌ.
أخذني صديق مبارك لحديقة ذات بجهة، قابلت فيها فضلاء كرام، كان منهم رجلٌ فاضلٌ كل اهتمامه الدعوة إلى الله، ومشاريع التعريف بالإسلام، وخدمة المسلمين الجدد، فليس مشروعه أن يدخل مسلم جديد في طريق النور، بل أن يستمر عليه حتى يستقيم ويقوى إيمانه، فكثير هم من يعبدون الله على حرف، ومن الناس من يسلم مجاملةً وتجربةً وضعفاً، ومسؤولية أهل الإسلام وطلاب العلم والدعاة تجاه أولئك كبيرة، والموفق من فُتح عليه في الدعوة والتبشير بالإسلام، ثم أعان الداخلين فيه على العبادة والاستقامة، فالدين توحيد وعمل، تربية وتزكية، استقامة ومجاهدةٌ حتى اليقين. أُعجبت بالرجل، وبهرتني همّته ومشاريعه في الدعوة إلى الله، فوسائله في تغطية جوانب النقص لدى الدعاة كثيرة، والحاجة ماسّة لتوظيف أدوات التقنية للدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام، وإكساب الدعاة المهارة في التعامل مع هذه الوسائل المؤثرة في عصرنا اليوم.. لما انقضى مجلسنا، سألت صاحبي: من يكون هذا الرجل؟ – فقال: هذا فلان.. – فلان؟ ابن الشيخ؟ – نعم، هو ابن الشيخ.
يا فرحةً كادت أن تحلّق بي! والله ما ظننت أن شيخي في الكتاب قد اقتربت منه حتى هذه الدرجة، فكيف إن رأيته؟ طلبت من صاحبي أن ينسق لي موعداً عاجلاً للقاء الشيخ، فهذه فرصة العمر، ومجالس العلماء عبادةٌ ممتعة.
واليوم يوم لقائي بالشيخ.. “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. حياكم الله شيخنا الكريم.. طلع البدرُ علينا.. كيف حالكم؟” أخذتني سكينة وطمأنينة عجيبة، وانساب من تقاسيم وجه الشيخ ألقٌ يكشف لي صدق ما في قلبه، فالعين ترجمان القلب، وكم دّلت العين على ما في قلب صاحبها. ابتسامةٌ ساحرة، وصوت يبعث الأمل ويزيد الصفاء، وقسمات وجهٍ مضيء بالنور، والأدبُ والتواضعُ يحوطان ذلك ويزيدانه بهاءً وجمالاً. انسال الكلام مع الشيخ بحديث أشهى من الشهد، فللصدق مذاق في القلوب لا يمكن وصفه، وأخذ الشيخ الكريم في حديثه يتكلم عن قرب اللقاء بالله، وتلك الحقيقة يقينيّة في قلب كل مسلم، فماذا أعددنا لهذا اللقاء العظيم؟
أيا إخواني، اللهَ اللهَ بالتقوى، فكم رفعت التقوى من عباد في منازل السائرين، و”إنما يتقبل الله من المتقين“، وقد كانت وصيّة السلف لبعضهم البعض بالتقوى، كانت كلمةً لها وزنها في خواطرهم، فهي أكبر من مجلدات العلم، وأثقل من الاستكثار بالكلام المشقق والمُرَونَق، بالتقوى صلحت نفوسهم، فصلحت أعمالهم وأحوالهم، زكتِ النفوس من الشهوات، وارتفعت عن الدنايا والزريّات ولا عجب، فالتقوى وصيّة الله للأولين والآخرين. إني لأعجب ممن يصول ويجول في ميادين العلم والتعليم، وليس له في التربية والتزكية من خَلَاق، ثم يرنو أن يكون ذا أثر في الواقع..
لقد كان للمتقين حياةٌ قلبيّة أوثق وأقوى من حياة الجسد، كانوا يقومون الليل كأنما فُرض عليهم، ويراعون الله في أحوالهم وأقوالهم يقولون: “إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً” دمعةٌ من خشية الله، وخلوة بذكر الله، وصدقة وإحسان، فماذا كان الجزاء؟ “فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقَّاهم نظرة وسروراً“. السعيد من استعد للقاء الله جل وعلا، ومن أيقن بالزوال هانت عليه الأحوال، ومن عرف حقائق الأمور تبيّن له ما تشفى به الصدور، وأتاه اليقين وهو على عبادة الله، “يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه“. التقوى ليست دعوى تقال، ولا حقيقةً يتشدّق بها في المجالس، التقوى عمل الخفاء، صدقةٌ خفيّة، دمعة في السحر، ذكر لله على الدوام، مراقبة للنفس، وقيام بحق الله، وقياس التقوى كثرة ذكر الله، فمن لا يذكر الله إلا قليلاً فأولئك مع من قد عرفت، ومن طابت نفسه بالإيمان فالذكر غذاء روحه، وبلسم جروحه، ومعيارُ تقواه، فمن أحب الله أكثر من ذكره.
كانت كلمات الشيخ الموفق تقع على سمعي ولكن بمعانٍ مختلفة، هي عبارات أعرفها، ولها اليوم إحساس غريب، يسوقها أثير الصدق، ينسلُّ بين الجوانح ليستقر في القلب، ولا عجب، فالخارج من القلب مكانه القلب. أتدري أي شيءٍ أعجب من ذلك كلّه؟ صفاء ذلك المجلس الذي تجلى فيه صدق النصيحة، فالشيخ يقول: هذه حقيقة الحياة، اختصرتها بين يديك لتختصر مشوارك في حياتك، فلا إيمان لمن لا تقوى له، فاللهَ اللهَ بالتقوى.
آهٍ ما أعلى هذه الدرجة الرفيعة، فكم تكلمنا وسمعنا عن التقوى والتزكية، ولكنّ من لم يذق المعاني لا يقدر أن ينقل حقيقتها. وحسب الراغبين صدق نيّاتهم مع الله، والمجاهدة للنفس، فتلك طريقٌ موصلةٌ بإذن الله، “والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا“. تلك الخوافي التي إن سكت عنها اللسان، فضحها السمت، ووشى بها الأثير. اللهم إني أسألك أن تبصّرني بك فأتّقيك في الخلوة والجلوة، وأن تعينني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.