يُعدُّ بيع العربون من المسائل الفقهية التي كثر الاحتياج إليها في المعاملات المالية قديمًا وحديثًا، لما يتضمنه من تحقيق قدر من الجدية في التعاقد وحفظ مصالح أطرافه. وقد أثار هذا النوع من البيوع خلافًا فقهيًا في حكمه وآثاره، وانقسم الفقهاء في بيان حكمه على ما يلي:
القول الأول: لا يصح بيع العربون، وهو قول الجمهور من أصحاب الرأي، ومالك والشافعي([1]) رحمهم الله، واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب عن بيه عن جده رضي الله عنه قال: “نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان“([2])، وقالوا: لاشتماله على الغرر والشرط الفاسد وأكل اموال الناس بالباطل؛ فان المشتري لم يأخذ شيئا في مقابل ما دفع، وبذلك يكون البائع قد اخذ ما لا يستحق، اي ان شرط كون ما دفعه اليه يكون مجانا ان اختار ترك السلعة شرط فاسد، ولان حديث عمرو بن شعيب قد تضمن الحظر، وهو ارجح من الاباحة كما تقرر في الاصول.
ونوقشوا: بأن الحديث لا يصح، والحديث الضعيف لا يحتج به ولا يكون عمدة في أبواب الحلال والحرام، وليس من أكل أموال الناس بالباطل، وإنما هو مأخوذ بشرط اختاره المشتري ورضي به، وهو مقابل النقص الحاصل في قيمة السلعة بسبب الرد([3])، فهو جبر لتبخيس السلعة.
القول الثاني: أن بيع العربون صحيح، وهو مرويٌ من فعل عمر رضي الله عنه، وروي عن مجاهد وابن سيرين ونافع بن الحارث وزيد بن أسلم([4])، وأحمد بن حنبل، وهو معتمد مذهب أصحابه([5])، واستدلوا على ذلك بفعل عمر رضي الله عنه بما روي عن نافع بن الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر رضي الله عنه([6])، وحديث عمرو بن شعيب حديث ضعيف، ولأن فيه مصلحة ظاهرة، وهو جبر نقص السلعة بالرد كما قال ابن عثيمين، وابن باز رحمه الله ([7]).
وقد صدر من مجمع الفقه الإسلامي القرار رقم: 72 (3/8) بشأن بيع العربون ونصّه: إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام من 1-7 محرم 1414هـ الموافق 21-27 حزيران (يونيو) 1993م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع بيع العربون، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
1- المراد ببيع السلعة مع دفع المشتري مبلغًا من المال إلى البائع على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن وإن تركها فالمبلغ للبائع. ويجري مجرى البيع الإجارة، لأنها بيع المنافع. ويستثنى من البيوع كل ما يشترط لصحته قبض أحد البدلين في مجلس العقد (السلم) أو قبض البدلين (مبادلة الأموال الربوية والصرف) ولا يجري في المرابحة للآمر بالشراء في مرحلة المواعدة ولكن يجري في مرحلة البيع التالية للمواعدة. 2- يجوز بيع العربون إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدود. ويحتسب العربون جزءًا من الثمن إذا تم الشراء، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء. ا.هـ ([8]).
وفي فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ما نصّه: “بيع العربون جائز ، وهو أن يدفع المشتري للبائع أو وكيلاً مبلغاً من المال أقل من ثمن المبيع بعد تمام عقد البيع ، لضمان المبيع ؛ لئلا يأخذه غيره على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن ، وإن لم يأخذها فللبائع أخذه وتملكه وبيع العربون صحيح ، سواء حدد وقتاً لدفع باقي الثمن أو لم يحدد وقتاً ، وللبائع مطالبة المشتري شرعاً بتسليم الثمن بعد تمام البيع وقبض المبيع ، ويدل لجواز العربون فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال الإمام أحمد في بيع العربون : لا بأس به ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه أجازه ، وقال سعيد بن المسيب ، وابن سيرين : لا بأس به إذا كره السلعة أن يردها ، ويرد معها شيئاً ، أما الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : ( نهى عن بيع العربون ) فهو حديث ضعيف ، ضعفه الإمام أحمد وغيره ، فلا يحتج به”([9]).
ولأن الأصل في البيوع والعقود جواز شرط الإنسان على نفسه أو لنفسه ما يحقق له المكاسب والمنافع، ويرفع عنه الضرر والنقص، ولا يسقط هذا الأصل إلا بدليل الحرمة، ودليل أصحاب القول الأول المعتمد في التحريم ضعيف لا يعتمد عليه.
الراجح: الذي يظهر للباحث صحّة بيع العربون، والله أعلم.
([1]) التهانوي، إعلاء السنن، ط2، (14/ 173)، السغدي، النتف في الفتاوى، ط2، 1/ 472، المواق، التاج والإكليللمختصر خليل، ط1، 6/ 236، الحطاب، مواهب الجليل شرح مختصر خليل، د.ط، 4/ 369 – 370، النووي، روضة الطالبين وعمدة المفتين، ط3، 3/ 399، الأنصاري، أسنى المطالب في شرح روض الطالب، د.ط، 2/ 31، وانظر: الدبيان، المعاملات المالية صالة ومعاصرة، ط2، 5/447. ([2]) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع، باب في العربان، ط1، 5/361، برقم 3502، وضعفه ابن حجر في تلخيص الحبير بتخريج أحاديث الرافعي الكبير، ط1،4/ 767، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزياداته، د.ط، 873، الرقم 6060. ([3]) انظر: ابن عثيمين، الشرح الممتع على زاد المستقنع، ط1، 8/254. ([4]) انظر: ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، د.ط، 3/180. ([5]) المرداوي، الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ط1، 11/251، والبهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، ط1، 7/403. ([6]) البخاري، الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، ط1، ذكره تعليقاً، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي، باب الربط والحبس في الحرم،3، بصيغة الجزم، ووصله عبد الرزاق في المصنف، ط2، 5/336، رقم 9213، وابن أبي شيبة، المصنّف، ط1، 3/ 38، برقم 4734، والفاكهي في أخبار مكة، ط2، 3/ 254، رقم 2076، والبيهقي في السنن الكبير، ط1، 11/429، رقم 1291، والمزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ط1، 13/ 182، وابن حجر في تغليق التعليق، ط1، 3/ 326، وانظر تخريج المحقق في كشاف القناععلى متن الإقناع، ط1، 7/403، وانظر: ابن قدامة، المغني، د.ط 6/331. ([7]) ابن باز، مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ط1، 19/63، ابن عثيمين، الشرح الممتع على زاد المستقنع، ط1، 8/254. ([8]) مجمع الفقه الإسلامي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، د.ط، 1/641.. ([9]) اللجنة الدائمة للإفتاء، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء، د.ط، 13/133.