الشرط الجزائي حقيقته وحكمه

تُعد العقود من أهم الوسائل المنظمة للمعاملات في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والخدمية، وقد اتسع نطاقها في العصر الحديث مع تنوع العلاقات والمصالح التي تنشئها. ونظرًا لما يترتب عليها من حقوق والتزامات، برزت الحاجة إلى وسائل تعزز الوفاء بالعقود وتحد من آثار الإخلال بها.
ومن أبرز هذه الوسائل الشروط الجزائية، فما حقيقتها وما حكمها؟

أول ظهور لتطبيقات الشرط الجزائي في مسائل الفقه – والله أعلم – ما رواه البخاري عن ابن سيرين: أن رجلًا قال لمُكاريّ: “أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا، فلك مائة درهم”، فلم يخرج، فقضى شريح: “من شرط على نفسه طائعًا غير مكره، فهو عليه([1])”، وهو أثر قوي في تقرير قاعدة التزام الإنسان بما يشترطه على نفسه، إذا كان عن رضًى ووعي، ويُفهم من هذا الأثر أن الفقه الإسلامي قد قرر منذ وقت مبكر مبدأ التزام المتعاقد بما ألزم به نفسه اختيارًا، متى كان الشرط صادرًا عن إرادة معتبرة، ولم يكن ثمّة إكراه أو تدليس. غير أن هذا الإقرار لم يكن في إطار مصطلح مستقل أو نظرية قائمة بذاتها، وإنما جاء ضمن تطبيقات جزئية مرتبطة بباب الشروط في العقود، وبما يندرج تحته من صور التزام الإنسان بما يتعهد به في معاملاته.
ولذلك، فإن ما يُعرف في الاصطلاح المعاصر بالشرط الجزائي لم يكن غائبًا من حيث المعنى عن الفقه الإسلامي، وإنما كان حاضرًا من حيث التطبيقات والصور، دون أن يُفرد له اسم خاص أو بناء اصطلاحي مستقل، كما هو الشأن في كثير من المفاهيم التي أعيد تنظيمها وصياغتها في العصر الحديث ضمن أطر قانونية ونظرية محددة. وقد ظل الفقهاء يتناولون هذه الصور ضمن قواعد عامة، كقاعدة الشروط، وقاعدة الضمان، وقاعدة تحمل التبعة، دون الحاجة إلى فصلها تحت مسمى واحد جامع.

ومع تطور المعاملات واتساع نطاق العقود، وظهور الحاجة إلى ضبط الآثار المترتبة على الإخلال بالالتزامات التعاقدية، برز في النظم القانونية الحديثة مصطلح الشرط الجزائي بوصفه آلية اتفاقية يُقصد بها تحديد أثر الإخلال سلفًا، وتقدير ما يترتب عليه من تبعات مالية باتفاق الطرفين عند إبرام العقد. وقد انتقل هذا المصطلح إلى البيئة العربية من خلال القوانين الوضعية، فتعددت تسمياته بين الشرط الجزائي، والبند الجزائي، والتعويض الاتفاقي، والجزاء الاتفاقي، مع بقاء المعنى العام واحدًا، وإن اختلفت التطبيقات والتفصيلات.

ويلاحظ أن هذا الانتقال الاصطلاحي لم يكن مجرد تغيير في التسمية، بل صاحبه توسع في استعمال هذا النوع من الشروط في مختلف أنواع العقود، ولا سيما العقود الخدمية والإنشائية والتجارية، حيث تزايدت الحاجة إلى ضمان الالتزام، وتقليل المنازعات، وتحقيق قدر من الاستقرار في المعاملات. وأدى هذا بدوره إلى بروز إشكالات فقهية تتعلق بتكييف هذه الشروط، وتمييز ما يندرج منها تحت الالتزامات المشروعة، وما قد يخرج عن ذلك إلى صور غير مقبولة.
ومن هنا، فإن تحرير حقيقة الشرط الجزائي يقتضي التمييز بين المفهوم الاصطلاحي المعاصر، وبين جذوره التطبيقية في الفقه الإسلامي، مع إدراك أن الخلاف لا يدور حول أصل الالتزام بالشروط من حيث الجملة، وإنما حول مدى انضباط بعض صورها بالضوابط المعتبرة، وحدود ما يجوز اشتراطه مما لا يجوز. كما أن تعدد المسميات لا يغيّر من حقيقة النظر في مضمون الشرط وأثره، إذ العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني.
وكان أول ظهور لاستعمال لهذا المصطلح هو في العقود الأجنبية حين ظهر ما يسمى: الشرط الجزائي، والبند الجزائي، والتعويض الاتفاقي أو الجزاء الاتفاقي، وكلها تتعلّق بمفهوم متقارب يندرج تحتها أكثر من صورة([2])، وقد جرت عليه القوانين الوضعية في بلدان العالم.

تعريفه:
اختلفت عبارات وأنظار الفقهاء والقانونيين في تعريف الشرط الجزائي، وأقتصر على ذكر أهم التعاريف للفقهاء المعاصرين للشرط الجزائي على اعتبار أن البحث لصيق بالفقه.
التعريف الأول: “نص المتعاقدين في العقد على مبلغ معين يدفعه من أخل بالالتزام”([3]).
وقد أخذ عليه أنه قصر الشرط على مبلغ معيّن، في حين أن الشرط قد يكون على تعويض غير نقدي، كخدمات إضافية أو غيرها.
التعريف الثاني: “اتفاق المتعاقدين ‌في ‌ذات ‌العقد ‌أو ‌في ‌اتفاق ‌لاحق، وبشرط أن يكون ذلك قبل الإخلال بالالتزام على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن عند عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه أو تأخيره عنه فيه”([4]).
ويؤخذ عليه إطلاقه استحقاق التعويض مطلقاً دون اشتراط ثبوت الضرر.
التعريف الثالث: “هو اتفاق بين المتعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شرط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم ينفذ الطرف الآخر ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه”([5]).
وهو التعريف المختار فيما يظهر للباحث والله أعلم، وذلك أنه استوعب أركان الشرط، وبواعثه، وشرط استحقاقه وهو: ثبوت الضرر، وجعل نوع التعويض مطلقاً بحسب ما يتفق عليه الطرفان.
 
شرح التعريف:
اتفاق“: الإرادة المتطابقة بين أطراف العقد على التزام معين، يبرمه الأطراف برضاهم، سواء كان في أصل العقد أو في اتفاق لاحق حصل فيه الإيجاب والقبول.
بين المتعاقدين“: وهم أطراف العقد، اثنان فصاعداً.
على تقدير التعويض“: وهو محل العِوض عن الضرر الحاصل، سواء كان التقدير للعوض محدد المقدار أو الصفة، أو كان على مقدار الضرر الذي يثبت حين وقوعه.
الذي يستحقه من شرط له”: وهو المتضرر من الإخلال الحاصل في العقد، والذي شُرط له التعويض ابتداءً، عند تحقق موجبه.
“عن الضرر الذي يلحقه“: وهو مطلق الضرر، سواء كان خسارة واقعة، أو فوات كسبٍ مؤكد.
إذا لم ينفذ الطرف الآخر ما التزم به“: ويشمل كل إخلال دون عذر في تنفيذ الالتزام سواء كان في الجودة، أو النوع، أو الأداء، أو الانسحاب من العقد بطريق غير مشروع.
أو تأخر في تنفيذه“: وهو التأخر في تنفيذ الالتزام إما بالسداد أو في تقديم الخدمة أو السلعة، محل العقد، وكان هذا التأخير بغير سبب خارج عن الإرادة. وقد بات هذا الشرط شائعًا في كثير من العقود المعاصرة، كالاستصناع والمقاولات والتوريد وخدمات النقل، وبالتعويض المالي أو غير المالي، ودخل في ذلك صور حديثة، منها ما هو محلّ بحثنا في عقود وكالات السفر والسياحة.

حكم الشرط الجزائي:
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم الشرط الجزائي بناءً على وقوعه في الجملة على صورتين رئيستين، فالأولى حكم وقوعه في الديون، والثانية حكم وقوعه في غير الديون، وتحرير ذلك ما يلي:
أولاً: حكم الشرط الجزائي في الديون:
صورته: أن يشترط الدائن على المدين متى تأخر في سداد الدين الحال -أو القسط- زيادةً على أصل الدين للتأخر في السداد، وهذا فيما إذا كان العقد بين أطرافه عقد مداينةٍ، كالقرض الحسن، أو كان العقد عقد معاوضة كالمرابحة، ترتب عليه دين.
وغالباً ما يكون هذا الشرط في عقود أو بنود الدين على أحد صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون مقدار الشرط الجزائي معلوماً محدداً وقت التعاقد، أو أن يكون بنسبة مقدّرة، فالأولى كأن يكون رسماً ثابتاً بمبلغ (100) مائة ريال سعودي إذا تأخر المدين عن السداد لمدّة عشرة أيام.
الصورة الثانية: أن يكون بنسبة من قيمة الدَّين الحال، تلزَم المدين إذا تأخر عن السداد خلال عشرة أيام -مثلاً-، وليس بين الصورتين اختلاف في الحكم، إذ إن مؤداهما الزيادة على مقدار الدين، وإن اختلفا في طريقة حصول الزيادة مقطوعة أو بنسبة.
وهذا الشرط فيما يظهر هو عين ربا الجاهلية، إذ إن الزيادة على مقدار الدين للتأخر في السداد لمقابل الأجل لا تجوز، لقوله تعالى: “وإن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ”([6]ووجه الدلالة: أن الجملة الأخيرة من الآية حصرت حق الدائن في رأس المال الذي له، ولا يجوز له أن يزيد عليه، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: “نص النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهي عنه ربا النسيئة والفضل والقرض الذي يجر منفعة”([7])، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 3 بتاريخ 10-16 ربيع الثاني 1406هـ نصّه: “أولًا: أن كل زيادة أو فائدة على الدَّين الذى حل أجله وعجز عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد: هاتان الصورتان ربا محرم شرعا”([8]).

ثانياً: حكم الشرط الجزائي في غير الديون:  
صورة هذه المسألة أن يكون بين طرفين عقد ترتبت عليه التزامات معيّنة كمقاولة على بناء، فإن تأخر المقاول في التسليم في الزمن المتفق عليه فيُلزم بشرط جزائي تعويضاً عن الضرر الذي لحق المالك لعدم استلامه البناء في الفترة المقررة.
وقد اختلفت أنظار الفقهاء المعاصرين في الشرط الجزائي في غير الديون على قولين:

القول الأول: تحريم الشرط الجزائي ولو في غير الديون، وهو اختيار الشيخ عبدالله بن زيد المحمود([9])، والباحث محمد بن سعد اليمني([10])، واستدلوا على ذلك بأن هذا الشرط تعويض مقدّر جزافاً عن ضرر لم يقع لا يجوز، فتجتمع فيه الجهالة والغرر، والرهان المحرّم والمقامرة.
فمن حيث الجهالة والغرر: هو تعويض على ضرر معدوم لا يدرى أيقع أم لا، والمجهول لا تصح مقابلته بمال، ولأن الضرر هو سبب التعويض وهذا الشرط تقديم للمسبب على السبب.
ونوقش: بأن الجهالة في المعدوم تؤول إلى العلم عند الوقوع، فإذا حصل الاخلال تحقق العلم وبان الضرر، واستحقّ عنه التعويض، وبذا ترتفع الجهالة، ويكون المسبب بعد حصول السبب.
وأما أن المجهول لا تصحّ مقابلة بمال، فالحال ليس ما ذكر، وإنما المال يقع بعد حصول الضرر وانتفاء الجهل به، وهذا الضابط محّله إن كان أصل العقد وقع على مجهول كبيع الحصاة والمنابذة وعبدٍ من عبيد، لا إن كان شرط في العقد وقع على مجهول يؤول إلى العلم.
وأما أنه من الرهان والمقامرة فغير مسلّم، فإن أصل العقد ليس قماراً ولا رهاناً، بل عقد على عمل معلوم، وأما الشرط فلجبر ضرر قد يحصل، مقيّد بالوقوع، ومضبوط بعدم أكل المال بالباطل، والقواعد الشرعيّة أمرت برفع الضرر، وأن الضرر يزال، فلا يعدو كون هذا الشرط إعمالاً لهذه القواعد الشرعية.

القول الثاني: يصح الشرط الجزائي في غير الديون، لأن الأصل في الشروط الإباحة إلا ما نصّ الدليل على تحريمه، وهو إعمال لقواعد الشريعة الآمرة بأداء الشروط، وبقوله صلى الله عليه وسلم “المسلمون عند شروطهم”([11])، ولما كان الشرط الجزائي ناشئًا برضا الطرفين، ومقترنًا بمصلحة العقد ذاته، وهو دافع إلى الالتزام، زاجر عن الإخلال، حُكم بصحته من حيث الأصل، ما لم يفضِ إلى ظلم، أو يدخل في الغرر والجهالة، أو يتضمن أكل أموال الناس بالباطل.
وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي بجدة هذا النوع من الشروط، وصدر عنه القرار رقم 109 (3 / 12) في الدورة الحادية عشرة، ومما جاء فيه:
رابعاً: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينا؛ فإن هذا من الربا الصريح. وبناء على هذا، فيجوز هذا الشرط – مثلا في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفذ ما التزم به أو تأخر في تنفيذه. ولا يجوز – مثلا – في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه”([12])، وهو اختيار هيئة كبار العلماء ونصّه: ” فإن المجلس يقرر بالإجماع: أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام…”([13]).
وقد أكد القرار ذاته أن التعويض إنما يكون عن الضرر المالي الفعلي، ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي.

الراجح: الذي يظهر للباحث أن الشرط الجزائي في العقود المعاصرة شرط جائز في الجملة، لقوّة ما استدل به أصحاب القول الثاني، ولدفع الضرر الفعلي، ويُعمل به ما لم يكن الإخلال لسبب قاهر، أو كان الشرط مبالغًا فيه، ويعود تقدير ذلك حال النزاع إلى جهة التحكيم أو القضاء،- والله أعلم -.
……………………………………………………………………………………………………………………………………
 


([1]) البخاري، الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، ط1، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم وإذا قال: مائة إلا واحدة أو ثنتين، 3/ 579.
([2]) اليمني، الشرط الجزائي وأثره في العقود المعاصرة، د.ط، 17.
([3]) قلعجي، معجم لغة الفقهاء، ط2، 260.
([4]) نزيه، بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة، ط1، 2/ 855.
([5]) المطلق والطيار والموسى، الفقه الميسر، د.ط، 10/32، وهو التعريف المختار لدى مجمع الفقه الإسلامي في القرار الصادر عنه 109 (3 / 12)، والذي صاغه بهذا النص فيما ظهر لي هو فضيلة الشيخ أ.د. الصديق محمد الأمين الضرير في بحثه المنشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، د.ط، 12/515، بترقيم الشاملة آليا.
([6]) سورة البقرة: جزء من الآية 279.
([7]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ط3، 19/280.
([8]) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، د.ط، 2/ 636 بترقيم الشاملة آليا.
([9]) أنظر آل محمود، مجموعة رسائل عبدالله بن زيد آل محمود، ط1، 4/62-63.
([10]) اليمني، الشرط الجزائي وأثره في العقود المعاصرة، د.ط، 229.
([11]) رواه أبو داود في السنن،  كتاب الأقضية، باب الصلح، 5/446، ط1، برقم 3594 بلفظ: “على شروطهم”، ورواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب البيوع، ط1، 3/252، برقم 2341.
([12]) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، د.ط، 12/671، بترقيم الشاملة آلياً.
([13]) مجلة البحوث الإسلامية، د.ط، 2/140- 142.


الرياض العامرة
ليالي 1446

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top