إن كان من أحد يفرح المرء أن يراه فوقه، فهو الأب فيما يرجو أن يرى في ولده، فما ابتهجت عينٌ كعين أبٍ رأى ابنه قد تسنّم ذرى المجد، وصعد العليا، فكان مفخرة له، و”الولد من كسب أبيه“، فما كان من ولده عاد عليه.
وهذه المرتبة العالية، والمنزلة الرفيعة لا تأتي بالأمل، ولا تحصل بالتمني، بل بحسن الرؤية، وصدق التجربة، والتربية الصالحة، والمصاحبة الدائمة، والدعاء يحوط ذلك كلَّه أولَه وآخرَه. لقد بزّ في التاريخ أبناءٌ كانوا صنيعة آبائهم يوم أن مهّدوا لهم السبيل، وأرشدوهم الطريق، وأعانوهم على الخير، فمضى الابن مكفيَّ الجانب من شتات التجربة، وسار بخطى ثابتة تحملها مناجاة الأسحار، ومكابدة النهار.
والتربية مسالك دقيقة، فليست القوالب الجاهزة، والنصائح العامة في التربية مناسبة لكل أحد، وإنما الشأن فيها أن تكون دليلاً للإرشاد العام، فالأبناء – وإن تشابهوا – مختلفون في نفوسهم وشخصياتهم، قوةً وضعفاً، شدّةً وليناً، إقداماً وإحجاماً، سعةً وضيقاً، ومراعاة ذلك كلّه من أدقّ ما يقصده المربي ويعانيه، فأعظم المربين لم يكونوا يربّون أجساماً، بل نفوساً مختلفة، فما يصلح لهذا لا يصلح لذاك، وأخطر ما يفسد التربية أن يتحول المربي إلى صاحب نمطٍ واحد يسوس النفوس كلها عليه، فكأن النفوس نسخٌ مكررة!
واختلاف النفوس طبيعة فطريّة، غير أن هذه الطبائع قد يعتريها ما يفسدها، فإدراك الفروق، ومعرفة ما يطرأ عليها من خلل، مفتاح سياسة النفوس، ولكل نفس باب.
ثم إن من يفتّش عن قاعدة عامة في التربية ليس كمن ينظر ببصيرة نافذة، وقد يبلغ فقه الأب بابنه أن يدرك أن ما يُفسد غيره قد يصلحه، وأن ما ينفع سواه قد يضرّه، ومن أبصر الشواهد على ذلك وصيّة سحنون لمؤدب ولده محمد حين قال له: “لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب والمدح فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب واتركه على بختي -نحلتي- فإني أرجو أن يكون نسيج وحده وفريد أهل زمانه“، فما أرقّ هذه الوصيّة وأدقّها، حين نظر فيها سحنون إلى طبيعة ولده، فداراه عليها، وجعلها مفتاح تربيته، ومعادلة تأديبه. فإذا كان ما يصلح لمحمد بن سحنون – رحمهما الله – لا يصلح لكل أحد، كانت المصاحبة والقدوة الحسنة، وحسن الفهم لعوارض النفوس، ودقائق الفروق فيما بينها سبيل الوصول إلى حسن النتيجة، ولهذا شبّه عتبة بن سفيان مؤدب ولده بالطبيب الرفيق الذي لا يبادر بالدواء حتى يعرف موضع العلّة، فقال له: “ليكن أول إصلاحك بَنِيَّ إصلاح نفسك فإن عيوبهم معقودة بعيبك فالحسن عندهم ما فعلت والقبيح ما تركت، …وكن لهم كالطبيب الرفيق الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء“. فكما أن الطبيب قد يصف العلاج مرّة فقد يتدخل بالجراحة مرةً أخرى، فكذلك التربية، لينٌ في موضعه، وشدّةٌ في موضعها. والتوازن شعرة رقيقة إن أخذت من أحد طرفيها بشدّة قُطعت، وكذا التربية، سياسة دقيقة تراعي الأساليب، ولذلك كان الرشيد يوصي مؤدب ولده بمنعهم الضحك إلا في أوقاته، وقطع الفراغ كي لا يستحلونه، والتأديب بالملاينة والقرب، وإلا فبالشدة والغلظة. وما تزال التربية — مهما تطورت وسائلها — قائمة على أصلٍ واحد: أن يرى الأب -أو المربي- في ولده أمانة، ونفسًا تحتاج إلى سياسة وبصيرة، فليست التربية أوامر مجرّدة وعقوبات عابرة، ولا عناية بالمأكل والمشرب، دون المخبر والمعنى. إن أجلِّ ما يورثه الآباء لأبنائهم بعد رحيلهم تلك المعاني الخفية التي تسكن الأرواح؛ بمراقبة الله جل جلاله، وحسن النظر إلى الحياة، وملازمة الصدق، والرفق بالناس، والثبات عند الشدائد، وتقدير الجمال، فإنه أداةٌ للذوق، والذوق يكسب صاحبه كل جميل.
تمت في روضة سدير بمنزل السيدة الوالدة أطال الله بقاءها
الجمعة 21 ذو القعدة 1447 08 مايو 2026
1 فكرة عن “ولكل نفس باب”
فهد الحربي
وذكرني مطلع هذه المقالة الجميلة بقول الشاعر مادحا النبي -صلى الله عليه وسلم- مبينا فيها عظيم رحمته وشفقته بأمته، عليه صلوات الله تترا:
فإذا رحمت فأنت أم أو أب ** هذان في الدنيا هم الرحماء
جزاك الله خيرًا.. أيها الكاتب
وأصلح لنا ولك النية والذرية ..
وذكرني مطلع هذه المقالة الجميلة بقول الشاعر مادحا النبي -صلى الله عليه وسلم- مبينا فيها عظيم رحمته وشفقته بأمته، عليه صلوات الله تترا:
فإذا رحمت فأنت أم أو أب ** هذان في الدنيا هم الرحماء
جزاك الله خيرًا.. أيها الكاتب
وأصلح لنا ولك النية والذرية ..