ولكل نفس باب


إن كان من أحد يفرح المرء أن يراه فوقه، فهو الأب فيما يرجو أن يرى في ولده، فما ابتهجت عينٌ كعين أبٍ رأى ابنه قد تسنّم ذرى المجد، وصعد العليا، فكان مفخرة له، و”الولد من كسب أبيه“، فما كان من ولده عاد عليه. 
   
وهذه المرتبة العالية، والمنزلة الرفيعة لا تأتي بالأمل، ولا تحصل بالتمني، بل بحسن الرؤية، وصدق التجربة، والتربية الصالحة، والمصاحبة الدائمة، والدعاء يحوط ذلك كلَّه أولَه وآخرَه.
لقد بزّ في التاريخ أبناءٌ كانوا صنيعة آبائهم يوم أن مهّدوا لهم السبيل، وأرشدوهم الطريق، وأعانوهم على الخير، فمضى الابن مكفيَّ الجانب من شتات التجربة، وسار بخطى ثابتة تحملها مناجاة الأسحار، ومكابدة النهار.

فالتربية مسالك دقيقة، فليست القوالب الجاهزة، والنصائح العامة في التربية مناسبة لكل أحد، وإنما الشأن فيها أن تكون دليلاً للإرشاد العام، فالأبناء – وإن تشابهوا – مختلفون في نفوسهم وشخصياتهم، قوةً وضعفاً، شدّةً وليناً، إقداماً وإحجاماً، سعةً وضيقاً، ومراعاة ذلك كلّه من أدقّ ما يقصده المربي ويعانيه، فأعظم المربين لم يكونوا يربّون أجساماً، بل نفوساً مختلفة، فما يصلح لهذا لا يصلح لذاك، وأخطر ما يفسد التربية أن يتحول المربي إلى صاحب نمطٍ واحد يسوس النفوس كلها عليه، فكأن النفوس نسخٌ مكررة!

والواقع شاهد صادق على ذلك، ولو فتشت فيمن حولك لرأيت من صنوف الاختلافات ما يتعجب من أن يكون هؤلاء يجمعهم بلد واحد، فكيف إن كانوا أشقاء!
وأحدّثك عمّا رأيت: فإني أعرف أشقاء خمسة لكلٍ منهم مأكل ومشرب، فواحد ضليع في اللغة، وله نفسٌ رقيقة شجيّة، وله سمت مختلف، وأخوه القريب منه أبعد ما يكون عن اهتمامات أخيه الأول، فهو مفكّر مؤرخ، لا يلتفت إلى اللغة والأدب إلا ما كان على قدر الإحاطة العامة، والحاجة الماسّة، وثالثهم خبير في السيارات والبراري، وذو أصحاب كُثر، تتفاوت أعمارهم، وليس له الثقافة مشاركة، وأما رابعهم فلا يكاد يضع عصا الترحال، وله اطلاع على ثقافات الأجانب ولغاتهم، وكثير المغامرة والمعارف جداً، وكم فوجئت به حين حدثني عن أصدقائه من أرجاء المعمورة، فكأنه سفيرٌ يرى من صميم مهام حياته الارتباطات بالعلاقات الخارجية، وآخرهم فقيه مشارك في لجانٍ فقهية، وبرامج تدريبية، ومهتم بالتطوير والإدارة، وصناعة المفاهيم.
فعجبتُ لهم كيف كان فيهم هذا التشكّل المذهل؟ ولّما سألت والدهم عن ذلك قال لي: لقد رأيت في كل واحد منهم طبيعة مختلفة فرعيت تلك الطبيعة بما يوافق ميوله، حتى صاروا كما رأيت!

فهذه مسارات مختلفة، لطبائع متغايرة ظهر أثرها لاختلاف نفوس أصحابها، وليس هذا بغير على من علم، فاختلاف النفوس طبيعة فطريّة، غير أن هذه الطبائع قد يعتريها ما يفسدها، وإدراك الفروق، ومعرفة ما يطرأ عليها من عوارض مفتاح سياسة النفوس، ولكل نفس باب.

ثم إن من يفتّش عن قاعدة عامة في التربية ليس كمن ينظر ببصيرة نافذة، وقد يبلغ فقه الأب بابنه أن يدرك أن ما يُفسد غيره قد يصلحه، وأن ما ينفع سواه قد يضرّه، ومن أبصر الشواهد على ذلك وصيّة سحنون لمؤدب ولده محمد حين قال له: “لا تؤدبه إلا بالكلام الطيب والمدح فليس هو ممن يؤدب بالتعنيف والضرب واتركه على بختي -نحلتي- فإني أرجو أن يكون نسيج وحده وفريد أهل زمانه“، فما أرقّ هذه الوصيّة وأدقّها، حين نظر فيها سحنون إلى طبيعة ولده، فداراه عليها، وجعلها مفتاح تربيته، ومعادلة تأديبه.
فإذا كان ما يصلح لمحمد بن سحنون – رحمهما الله – لا يصلح لكل أحد، كانت المصاحبة والقدوة الحسنة، وحسن الفهم لعوارض النفوس، ودقائق الفروق فيما بينها سبيل الوصول إلى حسن النتيجة، ولهذا شبّه عتبة بن سفيان مؤدب ولده بالطبيب الرفيق الذي لا يبادر بالدواء حتى يعرف موضع العلّة، فقال له: “ليكن أول إصلاحك بَنِيَّ إصلاح نفسك فإن عيوبهم معقودة بعيبك فالحسن عندهم ما فعلت والقبيح ما تركت، …وكن لهم كالطبيب الرفيق الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء“.
فكما أن الطبيب قد يصف العلاج مرّة فقد يتدخل بالجراحة مرةً أخرى، فكذلك التربية، لينٌ في موضعه، وشدّةٌ في موضعها.
والتوازن شعرة رقيقة إن أخذت من أحد طرفيها بشدّة قُطعت، وكذلك التربية، سياسة دقيقة تراعي الأساليب.

وحين تذكّر الأديب أحمد أمين ماضي تربيته، وما جرى عليه من شدّة لم تراعي جوابن شخصيته قال بعبارات جليلة: “لقد كانت تربيتنا قاسية عنيفة، فكان من أثرها الذي نشعر به خجلٌ قبيح، وضعف في الحرية الشخصية، وقلة ابتهاج بالحياة، وزهد في متعها، وعدم تفتُّح النفس لمسرَّاتها، … ولكن بجانب ذلك علَّمنا – يعني أباه – الجد في الحياة، والصبر على المكاره، والترفُّع عن صغائر أمور الدنيا؛ لأن كبارها قليلة القيمة.”

إن أجلِّ ما يورثه الآباء لأبنائهم بعد رحيلهم تلك المعاني الخفية التي تسكن الأرواح؛ بمراقبة الله جل جلاله، وحسن النظر إلى الحياة، وملازمة الصدق، والرفق بالناس، والثبات عند الشدائد، وتقدير الجمال، فإنه أداةٌ للذوق، والذوق يكسب صاحبه كل جميل.
 


تمت في روضة سدير
بمنزل السيدة الوالدة أطال الله بقاءها

الجمعة 21 ذو القعدة 1447
08 مايو 2026

19 فكرة عن “ولكل نفس باب”

  1. وذكرني مطلع هذه المقالة الجميلة بقول الشاعر مادحا النبي -صلى الله عليه وسلم- مبينا فيها عظيم رحمته وشفقته بأمته، عليه صلوات الله تترا:
    فإذا رحمت فأنت أم أو أب ** هذان في الدنيا هم الرحماء

    جزاك الله خيرًا.. أيها الكاتب
    وأصلح لنا ولك النية والذرية ..

  2. إن أجلِّ ما يورثه الآباء لأبنائهم بعد رحيلهم تلك المعاني الخفية التي تسكن الأرواح؛ بمراقبة الله جل جلاله، وحسن النظر إلى الحياة، وملازمة الصدق، والرفق بالناس، والثبات عند الشدائد، وتقدير الجمال، فإنه أداةٌ للذوق، والذوق يكسب صاحبه كل جميل.
    بوركت على هذا الكلام الجميل.

  3. فى قديم الزمان كنا نتعجب الى اسم وزارة التربية والتعليم ناظرين الى اساس عملها وهو التعليم
    لكن تبين بعد ان اشتد الغود ان لا فائدة للعلم دون تربية فالتربية هى العمود الفقرى الذى ينشئ القيم والمبادئ ويأتى العلم يزينها ويجليها
    احسنت الاختيار

  4. جزاك الله خير على هذا المقال الذي فعلا يوزن بالذهب،وكتابته في بيت الوالدة الله يحفظها زاده بركة
    كلامك عن التربية وأن كل ولد له مفتاحه الخاص لامسني،لانه فعلا مافيه قالب واحد ينفع للكل
    وتشبيه الاب بالطبيب الذي يفهم العلة قبل الدواء هذا لحاله درس، الله ينفع بكلامك ويرزقنا العمل به

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top