أيام عميقة


تمر الليالي والأيام على المرء سريعة متشابهةً أحياناً، وعميقةً متغايرةً أحايين أخرى، فالمؤثر منها قليل، وأقل منه ما كوّن لصاحبه تجربة تمثّل انعطافاً في مسيرته، أو تحولاً في فكره ونظرته، فتلك أيام الله، لها أثرٌ يمتد في النفس إلى حين بعيد، ولي مع بعض أيامي العميقة وقفةٌ تستحقها:

اليوم الأول:
يوم أن ذهب بي والدي – رعاه الله – إلى المدرسة لألتحق بها، فكان أول يومٍ في مسيرة الاستعداد وتكاليف الحياة ، فوقتُ النوم قد تغيّر، والتعامل مع عالم خارج البيت قد اختلف، فالتلاميذ من جهةٍ والأساتذة من جهةٍ أخرى، وبدأت رحلتي مع القراءة والكتابة، وأمي – متّعها الله – تصحبني فيها كل وقت وحين، ففي الطريق أقرأ عليها حروف لوحات السيارات، وأسماء المحلات، وفي البيت تعلمني الإملاء والكتابة، ولا أنسى كم تعبتُ في ضبط كلمة “الإيمان” فأكتبها “الإمان” اكتفاءً بالكسرة عن الياء، ولي في همزة الوصل احتجاج دائم فأقول: كيف أكتب ما لا ينطق؟ وتعبت معي في حفظ سورتي “الكافرون، والعاديات”، فجزاها الله عني خير الجزاء، ولكنّ ذاك الجهد أثمر بحمدالله، فعوّدتني القراءة والكتابة منذ الصغر، واستحال التعلم عادةّ، والقراءة جزء من يومي لا يمرّ بدونها إلا أن أغلب عليها.

اليوم الثاني:
يوم أن تخرجت من الثانوية، وتقدمت لتخصصين مختلفين، فملفٌ لي بكلية الطب بجامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية، وملفٌ آخر بكليّة الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وحرتُ بين المسارَين، واستخاراتٌ واستشارات، حتى استقرت الركاب بكليّة الشرعية، وقضيت فيها أربع سنين ونصف كانت من أعزّ أيام حياتي، فانجلت لي معالم الطريق، واتضحت الرؤية، ويسّر الله لي منها خيراً كثيراً، ولو عاد بي الزمان ما قدّمت على كليّة الشريعة شيئا، وكلّما قابلت من تخرّج من الشريعة أحسست أنّ بيني وبينه نسبٌ على ما قال أبو تمام:

أو يفترق نسبٌ يؤلف بيننا *** أدبٌ أقمناهُ مقام الوالدِ

اليوم الثالث:
أما يومي الثالث فإمامتي بالناس في المساجد، وقد نُقشَ في قلبي تاريخ ذلك اليوم وأين كنت، فزاد في مسؤوليتي، وعمّق إحساسي بصدق التوجه لطلب العلم، فمن يتقدّم الناس في الصلاة تعيّن عليه تحسين تلاوته، وضبط محفوظه، ومعرفة المسائل الفقهية، والتخلُّق باللين مع الناس فهم مختلفون في طبائعهم، فأكسبتني تلك التجربة علاقات واسعة، رجالٌ صالحون ومثقفون وعلاقات عامة عرفتهم في المساجد، فكانوا لي من بهجت العمر وزينته، وما خبر الشيخ أبي فهد سليمان الحناكي ببعيد، وممن عرفتهم وكان لهم أعمق الأثر في نفسي الدكتور ماجد بن إبراهيم الأحمد، فقد عرفت منه كيف أتعاطى الحياة، وكيف أبقي الأثر.

اليوم الرابع:
ورابع أيامي حدثان في أسبوع واحد، فالأول منهما حين ذهبت إلى جامع عثمان بن عفان بحي الوادي بالرياض لحضور درسٍ لأحد شيوخي ولكني أخطأت في ميعاد الدرس، وشيخٌ آخر يجلس الآن على كرسي الدرس، فجلستُ إليه وسمعت الفقه لأول مرّة بمناطاتٍ ما كانت لي بها سابق معرفة، وتأصيل بديع، ومهارة في تخريج الفروع على الأصول، ومعرفة لأقوال العلماء، وأسباب الخلاف، وحسن التعامل مع الطلاب، وتوضيح المشكلات، وتوقف عند بعض المسائل بقول: “لا أدري، وتحتاج تأمل ومراجعة“، فكان يجمع بين الفقه والتربية رضي الله عنه، فلزمته حتى أنهينا درسنا ذاك بعد سنوات، واهتممت بفقهه ما زلت أنهل منه، وهو العالم الفقيه النادر سليمان بن عبدالله  الماجد متّع الله به.
أما الحدث الثاني حين ذهبت لشيخٍ جمع بيني وبينه نسب الأبوّة ورحم العلم، فكان ممن غيّر نظرتي لدراسة العلم وطريقة التعامل معه، فالتحليل للنصوص، وتقعيد الأصول، وقوّة الاستحضار، وسعة الخاطر على نقاشاتي وأسئلتي، وما زلت متفيئاً ظلال علمه، ووارداً نهر فقهه، وهو شيخي أ.د. هشام بن محمد السعيد فجزاه الله عني خير الجزاء.

اليوم الخامس:
يوم أن رزقت بابني عبدالملك، فوالله ما عرفت معنى الأبوّة إلا لمّا صرت أباً، وكم كنت أتوهّم معرفتي بشعور الآباء، وأستغرب من أبي بعض حرصه عليّ وعلى إخوتي، فلما صرت أباً عرفت أن من رأى ليس كمن سمع، وفهمت رقّة الأب وحنوّه، وبأي عينٍ يرى ولده، وكيف يعقد الآمال عليه، ويؤمّل فيه أحسن ما يظن، حتى وإن قسى فمن رحمته به، وقلبه متألّمٌ من تلك القسوة، ولكن الأمر كما قال أبو تمام مرّة أخرى:

فقسى ليزدجروا ومن يكُ حازماً *** فليقسُ أحياناً على من يرحمُ

اليوم السادس:
يوم التحوّل الجذري في حياتي القانونية والمهنية، فقد كنت أترافع في إحدى القضايا الشائكة شديدة التعقيد، وكنت من شدّة اهتمامي لإبانة الحق ورفع الظلم عن موكلي أصاب بآلامٍ باطنية قبل موعد الجلسة بأسبوعٍ وأكثر، حرقةً وألماً لما رأيت في مسار هذه القضيّة، حتى تعجّب مني موكّلي وقال: أنا صاحب الشأن ولست متأثراً مثلك، وإن حُكم عليّ فأنا من سيتكلّفُ، فلماذا كل هذا؟
فقلت: والله إن تأثري للمبادئ كيف تنتهك، وليس للمبالغ فهي معوّضة ومخلوفة بإذن الله.
ثم عالجتني مقولة صاحبي وقرّة عيني د. سليمان العبودي حين غرّد بعبارة بليغة وحكمة: “لا تعجّل هم الغد إلى اليوم“، فوضعتها أمام مكتبي لأستشفي بها وبذكراه كل حين.
ومنذ تلك الدعوى تخفّفت من تعجيل الهموم، ففي الأيام متسع وسلوى.

اليوم السابع:
أعمق تجربةٍ بدأتها في هذا اليوم، ثم تسلسلت وتتابعت، تصنع فيّ كل مرّةٍ أثراً، وتغيّر مفهوماً، يوم أن أخذتُ عصا الترحال ورأت عيناي الدنيا، فكان العالم ساحة تعليم فسيحة، ومجالاً رحباً للفكر والتأمل، وكم كان للسفر في نفسي عميق الأثر، ففهمت من خلاله أوجهاً فقهية، وحالات اجتماعية، وقضايا سلوكية ومعرفية، وفتحت لي الأسفار آفاقا ما كانت لتفتحها الكتب وحدها،
ولي مع السفر وقفات أطول من هذه الوقفة العجلى بإذن الله.

إن الأيام لا تستوي إلا على البليد، فمن أراد الانطلاقة وترك الأثر فإنّ في الدنيا مناجم للمعنى، وميادين فسيحة لترك الأثر، والقمّة لا تدرك بالقعود، بل بالمكابدة والمجاهدة، وعَلم الله وحده كيف مرّت بيَ أيام كنت أخاف عواقبها، غير أن حسن الظن بالله، والاصرار على التقدم هما زورق العبور في تلك الأمواج، وبين عينيّ قول إمامنا أبي الطيب:

ذر النفس تأخذ وسعها قبل بيْنها *** فمفترق جاران دارهما العمرُ

تمت في جلاجل
أرض الأباء والأجداد

20 ذو الحجة 1447
06 يونيو 2026

4 أفكار عن “أيام عميقة”

  1. بوركت ووفقت
    وكما اورد امام السلف الشافعى

    ​دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ — وَطِبْ نَفْساً إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ
    وَلا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي — فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ

  2. ماشاء الله تبارك الله
    ابدعت شيخنا أبا عبدالملك ادام الله ايامك بالخير والمسرات … في صعوبة حفظ بعض السور من القران تذكرت سورة (( البينة )) التي كانت من اصعب السور حفظاً …. مستمع جداً بحروفك وبالفكرة

  3. د. عادل الوريدي

    سبعة أيام مباركة.
    وطريقة سردك لها بهذا الأسلوب تعكس اهتمامك بالمعنى والنية وراء كل يوم، وهذا بحد ذاته مؤشر على وعيك واستفادتك.
    زادك الله علمًا، ونفع بك الأمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top