حياة ثالثة


كان من تساؤلاتي وتطلعاتي وأنا في الصف الأول الابتدائي: “متى أبلغ رابع ابتدائي؟”، وكلي أملٌ وشوقٌ لهذا الحدث الكبير في نفسي..  ويا أمي، كم بقي لي من سنة؟، ومتى ستنتهي هذه السنة لتجري الأيام سريعاً، وأنتقل بينها انتقال الطيف، فأنا بانتظار أمل كبير لا يتحقق لي إلا في الصف الرابع الابتدائي، ليس ذلك الشوق مبالغاً فيه فأنا أذكر إحساسي تماماً كما أحدّثك الآن، فكلي أملٌ ولهفةٌ ليسمح لي بالكتابة في دفاتري وكتبي المدرسية بقلم الحبر، ففي الصفوف الثلاثة الأولى لا يسمح لي بغير استعمال قلم الرصاص، فما زلت في مرحلة التدريب.. وتمضي الأيام في انتظار اليوم الموعود، وفي استعجالٍ على القلم رأيت مقصف المدرسة يبيع أقلاماً، فاشتريت قلماً بريالاتي كلها، وطويت صفحة النهار جائعاً منشغلاً ببهجة القلم وجماله عن إفطاري ذلك اليوم.

لعل ذلك كان إرهاصاّ لحبي الكتابة في المستقبل، فقد بدأتُ الآن في حب أداتها الأولى، حبِّ القلم الباهر الجميل، حبّ هذه المنّة الربانية على عباده “الذي علّم بالقلم”.
نشأت لي مع الأيام فتنة في الأقلام، ففي بيتي جمعت أنواع وأشكال الأقلام، وعلى مكتبي سلّة أقلام مزدحمة، كلها باللون الأزرق عدا اثنين أو ثلاثة، وأفرّق بينها كما أفرق بين الناس، فأعرف كل قلم من أين اشتريته، وكم كان سعره، وبمَ يتميز، ولماذا هو هنا، المدبب للتوقيع، وذا لاحتراف الخط، وهذا في الرقعة أسلس من إخوانه، أما هذا الذي في الطرف فما عاد لدي منه سوى اثنين، فقد بحثت عن مثله فلم أجده… وسلسلة قصص وأخبار، وسيرة ذاتية دقيقة يستحقها كل قلم..

تطور الأمر حتى صرت أشتري أقلاماً ثمينةً، وأرى في القلم أكثر من معنى الكتابة، فالقلم عندي هويةٌ وشعارُ ثقافة، وزينة للرجل وذوق خاص، وصارت أعزّ هداياي أقلامٌ أتمتع بها، وإذا قابلت أحداّ فيشدُّني النظر إلى قلمه، فالقلم حلية الرجال، ويدل على صاحبه.
وهذا هوسٌ محمود، وإحدى هواياتي المفضلة، ولكنّ أجل من هذا ليس الوقوف على القلم وشكله، إنما استخدامه في مجاله، فالكتابة مجال القلم وميدانه الفسيح، فيا لله، ما أحلى الكتابة وأشهاها، وما أعزّها وأثقلها وأشجاها.

لي مع الكتابة قصة شجن قديم، وأحبُّ المواد عندي في المدرسة مادة التعبير، ففيها أنسج قصة، أو أكتب حواراً بين اثنين، وربما وصفت صورةً مؤثرة، وبرزت في الكتابة بين الطلاب فكنت المعدّ للإذاعة المدرسية بمقدمتها وفقراتها وخاتمتها، ولما أعلنت المدرسة مسابقة “الإذاعة المتميزة” بين طلاب المتوسطة والثانوية حصلنا على المركز الأول فيها وتلك ذكرى جميلة، ولماذا للكتابة في نفسي كل هذا الشأن؟

الكتابة حالة تجلٍ نفسي، وربما هي أعلى حالة من ممارسة الحرية، فالكتابة حديث النفس مع النفس، ميلاد جديد في كل مرة، وجسد ينتعش بروح دافئة، ولكل نص حكاية مختلفة في تأليفه وبواعثه وأحاسيسه وأسلوبه، وأعجب أمور الكتابة أنها تفرض نفسها، فليس كل مرة ترضيك فتسلمك زمامها، وليست كل مرة ترضى أن تمشي على قاعدة أختها، فلكل نصٍ أسلوبه الخاص الذي لا يناسب أسلوب أخيه، وأرسخ قاعدة للكتابة: ألا تكون لها قاعدة.
الكتابة معانٍ وأشكال بألوان مختلفة، تكون عن همٍ تمكّن في الفؤاد، والكتابةُ عنه تزيلُه أو تخففه، ولها سيطرة على الجسد، والتوتر قبل الكتابة يكون أحياناً، فإذا انثالت التعابير من القلم زال التوتر وسكنت الروح، وتسري في الجسد نشوةٌ وخفّة فقد زالت الأثقال، وهدأ البال، وحين سئل إميل سيوران لماذا يكتب؟ قال: “لأن ما كتبتُ وإن كان قليلًا ساعدني على العبور سنة إلى أخرى، وجعلني أشعر بأن التعبير عن الهموم يجعلها تخف وتوشك أن تقهر. الإنتاج متنفس خارق، والنشر لا يقل عنه“.

ولها غرور ودلال، فإذا حضر وحي الكتابة فهي لحظة ثمينة إن استجبت لها انسال القلم وفاض الخاطر، وإن تشاغلت عنها انصرفت حذّاءَ غاضبةّ، فتترضاها، وتجلس لأجلها وهي تتأبّى عليك، فلا تجد نفسك تجود بكلمة وجملة مفيدة، وتعيد كتابة الكلام ثم تمحو ما كتبت وتنتهي وصفحتك بيضاء نقيّة، ولِمَ كل ذلك؟ لأنك لم تستجب لها تلك المرة، فهي اليوم تأخذ حقّها منك، لتريك قدْرها، وحاجتك إليها.

وقد تكون الكتابة عن لحظة بهيجة، فتزيدها بهجةّ وجمالاّ، وتمدّ عمرها أياماً وأعواما، وكأن الحروف تحتفل معك لأجلك بهذا الجمال الذي تعيشه، فهي جنود مجنّدة لك، أنت رائدها وقائدها، وكلهم في صفّك خدمةّ وطاعة، وتزيد تذوّق الجمال، وتطيل تأمله فيه، وهي صفة مشتركة بين غالب المؤثرين والمتميزين، فلا تكاد تجد مبرّزاً ليس له علاقة بالكتابة إلا ما ندر، والنادر لا حكم له.

 أما عن اليقين والكتابة، فسِرٌ من أسراره، وطالما أردت تعميق يقيني بفكرة ما، فكانت الكتابةُ أرسخ للقناعة، وأثبت في تعميق الفكرة، وأوضح في رؤيتها من جوانب مختلفة، فالكتابة تزيد التفكير، وتعمّقه، وترسخ اليقين، وتوقظ الوعي.
هي وسيلة لتحسين الحياة كل مرة، حافظةٌ للحظاتٍ جميلة لا تكاد تتكرر، باعثةٌ لنشوةٍ متجددة تحيي فينا مشاعر قديمة، ولحظات عابرة جعلتها خالدة، والذكريات الغابرة تنتعش بالحياة كل مرة بالكتابة عنها، وكأنك تنفخ فيها الروح من جديد..

الكتابة تزيد الجمال في هذا العالم المليء بالمكدرات، ويكفي أن تزيد العالم جمالاً ولو بقدر خاطِره.

إن كانت القراءة حياةً ثانية، فأقول لك: إن الكتابة حياةٌ ثالثة، متجددة كل مرة.


 
تمت
في الرياض المحروسة

29 ربيع الآخر 1448
10أكتوبر 2026
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top