على الطبعة الأولى

أخذتني أيامٌ صفا فيها الخاطر في رحلة معايشة وتأمل جميل، أعيد فيها ترتيب مهاراتي في الحياة، وأحرك مياه الأفكار، فالحياة أكبر مدرسة، ولنا فيها فصول وأيام، ومعلمون مختلفون، فهي كتاب مفتوح يبصره من نظر إليها بعين المتعلّم، وتتمنَّع أن يراها من ظن أنه قد أحاط بكل شيء علما.
كانت رحلة التأمل هذه المرة من نتاج صحبة الأطفال، فلهم في تعاطي الحياة مذهب لم تعقّده كثرة الشروح، ولا تفسده حواشٍ مضافة، فالحياة عندهم على سجيّتها أسلس وأعذب، ولأنهم لم يتعبَّؤوا بمبادئ الحياة المعاصرة المتطلّبة، فهم على الفطرة الأولى، صفاء دائم، وحلم وراءَه حلم، وأمل لا يعرف إلا النموَ وفيضاً من الأمل، فالحياة في نظرهم روضةٌ غناء، لا تعب فيها ولا عناء إلا ما كان في من ألمٍ في لحظة عبارة، يعيشونها بشعور سريع، ثم ينسون ذاك الألم، ليستحيل ذكرى تروى للضحك لا للبكاء.
في الطفولة آمال فسيحة، ومعانٍ مشرقة، فالأطفال ينظرون إلى الغد كأنه رجلٌ يلوّح لهم من بعيد بوعد جديد، وبشرى سعيدة، فمتى نكبر؟ هذا سؤالهم المُلحُّ على خواطرهم، لأنهم لم يروا أن في الكبر مزيداً من التعقيد، أو كثرة الأعباء، بل في الكِبَر تحقيق الطموحات، وإدراك الأمنيات، فهم على فألٍ دائم، وظنٍ جميل، فالصباح يأتيهم بالبشائر، ويكفيهم لنسيان الأمسِ تشوّفهم للصباح، وما يرتجونه من ذاك المبتغى، والمراد المنتظر..
أما تفوّق الأطفال على الكبار في عيش الحياة بتفاصيلها فذاك مضمارهم، فلا سابق لهم فيه، تستوقفهم الحياة بكل تفاصيلها، بل وبتفاصيلها المتكررة، ولكن لهم في كل تكرار وقوفٌ جديد، وسؤال جديد، واندهاش جديد.
أما الكبار فقد سلبهم الإلف جمال الدهشة، وأخذ من سعادتهم بقدر ما أخذ من دهشتهم، فهم يمرُّون على الجمال فلا يتلفتون إليه لأنهم قد ألفوه، فعلى عيونهم حجاب الاعتياد، ويسمعون كل تغريدٍ مدهش، ونغمة مطربة فيمر على آذانهم مر النَّفيض[1]، لا أثر له ولا صوت، والإلف يفقد الدهشة.
والإنسان يبدأ حياته طفلاً بطباعِ أهل الجنّة، قلبُ كبير لا يحمل إلا السرور، ورؤية الله في كل موجود، والقلب سليم من المكدرات، فلا يختزن الغل ولا يمرُّ عليه، ولا تحمل نفسه مشاعر البغض، وله إحساس مرهف بالمعاني الجميلة، والوقوع على كل جميل، ثم تأخذ الأيام حظّها من ذلك الجمال، وتلك الطباع، حتى يستحيل كثير من ذلك – عند بعضهم – إلى كرهٍ يعمي ويُصمّ، وصدر يتسع لكل غلٍ، ولا سلامة فيه، ولا تزوره السعادة إلا لماماً، فلم كل ذلك؟
الطفولة صورة الإنسان الأول في ذاك الزمن القديم، فكأن في كل طفلٍ أثراً من صباح الجنّة الأول.
يولد الأطفال بتلك الروح المبتهجة، فتزيدهم انطلاقاً في مسارب الحياة، ويغلب ابتهاجهم آلامهم، فتراهم يضحكون وهم يبكون في آنٍ واحد، لأن الضحك أصل، والبكاء عارض، ويغضبون لحظات، وما أسرع رضاهم، وما أسهله وأيسره، لأن الرضا أصل، والسخط عارض، وعابر السبيل لا يؤبه له، والطبع غلّاب.
للطفولة مع عيش اللحظة طريقة عجيبة، فهم يرون في اللعبة في تلك اللحظة حياة كاملةً ما دامت في أيديهم، يعيشون تفاصيلها بكل أحاسيسهم، فينسون المكان والزمان، والحاضر والماضي، وكل ما حولهم، لأن الحياة عندهم قد اختزلوها في “لعبة”، أو في أي لحظة مبهرة، ولو عاش الكبار بأحاسيسهم كامل تفاصيل لحظاتهم الجميلة، واختزلوا حياتهم في تلك اللحظة المبهرة لكانت تلك وصفة علاجٍ ناجعةٍ لكل مصدور، ولكنها ضريبة العيش في الزمان الصعب، والحياة العصرية المزيّفة، والبُعد عن الطبع الأول.
أقرب الكبار إلى روح الطفولة أولئك المتخففين من الدنيا، سواء كان تخففهم ورعاً عنها، أو زهداً فيها، أو قناعةً مستقرّة – ولو لم تكن بدوافع دينية -، أولئك القوم عرفوا سلامة العيش في الحياة أكثر من غيرهم، فالصبح عندهم يأتيك بخيره، ولكل ضيق متسع، وما لا يأتيك اليوم فهو في غدٍ قريب، و”هونها وتهون”، والخسارة إن هي حصلت فما عساها أن تعدو قدرها، ولذلك: غمهم سريع الأفول، وأملهم راسخ رسوخ الجبال.
يحكي لي أحدهم عن طريقته فيقول: كلما مررت بشيء انتظرت انقضاء اليوم، ووقت النوم، ليكون الصباح لي فجرُ أمل جديد، فأنسى فيه ما اعترضني من وعورة الطريق، وأستكمله بروح جديدة.
لقد سلبت منا الحياة الحضارية كثيراً مما نملك، فخفت ذاك الشعور المرهف بالجمال، والإحساس الغامر بالحياة، وأرهقت بعضنا بثقل العيش، فيومه ثقيل عليه، وغداً أشد وأوجع، والثالث ثالثة الأثافي، وصار في منافسة مع يومه وليلته كيف يأخذ نصيبه منهما وافراً، ولو أرهقه المسير، وأضناه التعب، وسؤاله ومقياسه: ما مقدار ما جمعت؟ لا: ما جمال ما عشت؟
فغلب سؤال الكم الكيف؟ وغلب مقدار الأشياء جمالها، وعدد لحظاتها على حياتها.
ليس القصد أن يكون الكبير طفلًا، ولا الشيخ صبيًّا؛ إنما المراد أن يعيش المرء عمره من غير أن تسلبه الحياة الطبعةَ الأولى من إنسانيته، ومفاهيمه الفطرية السهلة، فتستحيل حياته معقّدةً بدعوى فهم الحياة، وقد قال الرافعي: “إن دقة الفهم للحياة تفسدها على صاحبها كدقة الفهم للحب”.
الطفولة مدرسةٌ في الحياة، ومذهب من مذاهب السعادة، فعلى رِسلك أيها المحارب المسلوب، لا تأخذنّ الحياةَ بالشقاء، فلست تدركها بالشدّ والجذب، ولكن خذها باليسر واللين تنالها بإذن الله، وحسن الظن بالله باب الحياة الأكبر.
أما الطفولة فضحكة الحياة، وبهجة العمر.
وصُن ضحكة الأطفال ياربّ إنها
إذا غرّدت في مقفر السفح أعشبا
و يا ربّ : إنّ القلب ملكك إن تشأ
رددت محيل القلب ريّان مخصبا
تمت
تحت ضياء النجوم
23 صفر 1448
06 أغسطس 2026
[1] السحاب الخفيف يكون بعد المطر، ولا ماء فيه.

كلمات عميقة تذكّرنا بأن أجمل ما نفقده مع مرور الأيام هو دهشة البدايات وصفاء القلوب.
أحسنت تصوير براءة الطفولة التي ترى الحياة بعيون الأمل، وتذكيرنا بأن العودة إلى الفطرة والبساطة ليست رجوعًا للوراء، بل استعادة لجمال الإنسان الحقيقي.